السبت 6 يونيو 2020
رئيس التحرير
عصام كامل

د.عبد الحميد يونس يكتب: انتحرت مرتين كرها للحياة

د.عبد الحميد يونس
د.عبد الحميد يونس


في مجلة المصور عام 1954 كتب الدكتور عبد الحميد يونس أول أستاذ للأدب الشعبى والفولكلور بجامعة القاهرة مقالا عن تجاربه في الحياة قال فيه: منذ عام 1926 عكفت على قراءة إصدارات مؤسسة الهلال وخاصة ما يكتبه الدكتور طه حسين.. وكانت أعظم هدية من والدى عدد مجلة الهلال كل شهر.

ولم أكن أعرف طه حسين ولا سمعت صوته ولا رأيت صورته، ثم كانت تلك الحادثة التي قلبت حياتى رأسا على عقب، فإذا بى أنقل إلى المستشفى، دخلت المستشفى وأنا أرى كل شيء إلا أن هذه الرؤية كانت ضعيفة، وأُكرهت على النوم وأمرت بعدم الحركة حتى أصبحت قطعة من السرير.. وكنت في مرحلة التعليم الثانوى.

زارنى أصدقائى في أول الأمر، ثم بدءوا يقلون، ثم انقطعت زياراتهم بعد عشرة أيام من إقامتى، وأجريت عملية أخيرة وسمح لى بعدها أن أنهض من السرير وعصابة على عينى، وذات يوم أخذنى الطبيب إلى حجرة أطباء الامتياز وأخذ يقص على قصة السياسي الفرنسى كليمنصو "نقاب السعادة" عن كفيف يرد البصر إليه فيرى أن الحياة لا تعجبه فيؤثر الظلام على النور السابغ، فأدركت الحقيقة.

عدت إلى البيت وكنت الميت الحى في وقت واحد بعد أن رفعوا العصابة من فوق عينى، وجدت البيت مكتظا بأهلي الأقربين والأبعدين وشبابا عرفتهم من أصواتهم يتنهدون، وفررت من هذا الحفل الجنائزى إلى حجرتى التي كنت أعيش فيها مع أخى ونسميها البرج.

كان أول ما اطمأننت عليه هو فصول طه حسين التي اقتطعتها من مجلة الهلال، فقد كان حرصى على هذه الأوراق تمهيدا للقدر لأن أشارك مؤلفها. أن الأيام لطه حسين هي بعينها أيامى وإن تباينت التفاصيل، اصبحت مقيد البيت بينما يذهب أخى إلى المدرسة منفردا بعد أن كنا صحبة، ولم أعد أميز بين الليل والنهار، كنت أحب شراء الكتب القديمة من شارع درب الجماميز، وكان أبى يعرف ذلك فيزيدنى في مصروفى.. لكن فات كل ذلك.

اشتريت ما يسمى بالفونوغراف، وأصبح أبى يشترى لى الأسطوانات بدلا من الكتب، أما أخى فكان يجلس حزينا على المكتب الذي كان يجمعنا.. نقلت إلى الخادمة كثيرا أنه كان يبكى وحده.

وجاء مصر جراح نمساوى لإجراء جراحات بالقاهرة ونزل فندق الكونتننتال فأخذنى والدى إليه وأشار بإجراء جراحة في أحد عينى.. لكن اعتذر عن إجرائها لاضطراره مغادرة القاهرة ورشح لنا طبيبين آخرين نمساويين، وبعد ثلاثة أيام رفعت العصابة فإذا بى أرى ضوء التيار الكهربائى وتبينت أشباح الناس تتحرك.. نصحه خالى الأكبر أن أصبح أزهريا حيث إن الأزهر هو الوحيد الذي يقبل أمثالى وكتب لى أبى البيت الذي نعيش فيه باسمى وعرضت على أمى الزواج.

زودنى الطبيب بمنظار عدسة سميكة أتبين بواسطتها الحروف فبدأت القراءة ولكن في بطء شديد، وبدأت أكتب مقالات أرسلها إلى صحف البلاغ الأسبوعى والسياسة الأسبوعية. وفكرت في دراسة البكالوريا وحذرنى ابى وأمى من أن أفقد البصيص الضئيل الذي أميز به النور من الظلام، وكادت تحدث القطيعة مع أبى وهممت بالانتحار مرتين، مرة بالامتناع عن الطعام ومرة بشرب حامض الفنيك.

بدأت قراءة كتب أخى وكان أبى مسافرا فتطوع صديق لى ووضع نفسه تحت تصرفى وامتحنت البكالوريا، وفجأة ظهر رقم جلوسى في الصحف فقد نجحت ودخلت الجامعة واخترت كلية الآداب، وكان الدكتور طه حسين هو العميد، ودخل أخى المهندسخانة، ودفع أبى 63 لى ولأخى مصاريف الجامعة.

وجاءتنى مشكلة من سيصحبنى إلى الجامعة، ورشحت أمى لى خادم صغير لمصاحبتى لكنه واجه الكثير من اشمئزاز الأساتذة والموظفين أثناء وجودى داخل قاعة المحاضرات.

رسبت في الدور الأول، وخرجت من الجامعة لأعمل مترجما ومحررا في الصحافة، كما ساهمت في ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، وخرج طه حسين من الجامعة.

ثم فكرت في العودة ثانية إلى الجامعة، واستقلت ماديا عن أبى بعد أن عينت موظفا في وزارة المعارف عن طريق الدكتور طه حسين لأجمع بين العلم والعمل.



Last Update : 2020-05-23 12:22 PM # Release : 0067