الثلاثاء 28 يناير 2020
رئيس التحرير
عصام كامل

حكاية «فراشة دوران شبرا».. طفلة تقود «توك توك» لتوفير مصاريف الدراسة


بجسدها الضئيل وقامتها القصيرة والسمرة التي تكسو ذراعيها النحيفتين، تقف بين الرجال والشباب ذوي الأعمار المختلفة، تنادي على المارة وتعرض عليهم توصيلهم إلى وجهتهم..

 تخطو "رحمة" 11 عاما، سائقة التوك توك بمنطقة شبرا، ناحية "التوكتوك" تمسك بالمقبض، بينما يتهدل شعرها الطويل البني المتناثر خلف ظهرها.

بين ليلة وضحاها باتت رحمة مثار اهتمام رواد موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، بعد أن نشر أحد الركاب مقطع فيديو لها، وهى تمارس عملها على "التوك توك".. 

"فيتو" التقت رحمة للتعرف على قصتها، وما الذي دفعها بأن تختلط بعالم معروف باقتصاره على الرجال فقط، لطبيعته التي تحتم على من يعمل به البقاء في الشارع لوقت طويل :"أنا اتعلمت سواقة التوك توك من ماما من نحو سنة، وليا شهر بأخد التوك توك لوحدي وانزل بيه أسوق حوالينا في روض الفرج ودوران شبرا، بساعد ماما علشان هي عندها مشكلات في رجليها مبقتش تقدر تتحرك".

صوت رقيق يصدره فم الصغيرة بينما تطوق رقبة والدتها السيدة دنيا وتقبلها بين الحين والآخر، فبين ستة إخوة جميعهم يكبرون رحمة بسنوات عدة،  تظل هي الابنة المقربة والأثيرة لوالدتها، حتى إنها قررت أن تحمل رسالتها وتخفف عنها ما عانته منذ وفاة الأب وحتى قبل وفاته، ففي عام 2007 تركت الأم دنيا عملها بإحدى ورش "الكاوتش" بحي شبرا، بعد أن جمعت مبلغا من المال ونجحت في شراء "توك توك" بالتقسيط وتعلمت قيادته ونزلت إلى الشارع، لتساعد زوجها الذي كان يجمع القمامة لإعادة تدويرها، حتى توفى حينما كانت رحمة في سن صغيرة.

تحكي الأم دنيا رحلة معاناتها مع زوجها وعلاقتها بـ"رحمة" : "أبوها سابها ومعايا أولاد تانيين، كان لازم انزل أنا اشتغل بنفسي وممدش أيدي واصرف عليهم، رحمة كبرت وكانت بتنزل معايا الشغل علشان مينفعش أسيبها، لقيتها بتلقط مني الشغل، وعايزة تتعلم"

رفضت الأم في أول الأمر وكذلك الإخوة الكبار أن تتعلم رحمة قيادة التوك توك والخروج إلى الشارع، إلا أنها أصرت على رأيها وفي شهر واحد كانت قد أتقنت الحرفة تمام الإتقان.

منذ شهر وحتى اليوم أصبح النزول إلى الشارع بالتوك توك روتين رحمة الذي لا يتناسب مع جسدها الصغير وكذلك عمرها، ففي الخامسة صباحا تستيقظ من نومها بالغرفة العلوية للمنزل، تغسل وجهها وتمشط شعرها الطويل، وتستعد للرحلة اليومية: "بدخل أطمن على أمي وأعرفها إني نازلة وأسلم عليها واشوفها لو محتاجة حاجة اعملها لها".

على مدار نحو أسبوع أو اثنين نجحت رحمة في جمع نحو 200 جنيه، لشراء أدوات المدرسة حتى لا تطلب العون من أحد، تهرول ناحية كيس بلاستيك أبيض أسفل سريرها، "أنا اشتريت من تحويشة أسبوع من فلوس شغلي كراسات وأقلام وشنطة وتوكة علشان ألبسها أول يوم مع لبس المدرسة الجديد".

تريد رحمة أن تلتحق بكلية الطب حينما تكبر وتنهي فترة التعليم الثانوي، تعمل وتكد حتى تجمع أكبر قدر من المال تدخره للإنفاق على تعليمها، فمشهد إصابة والدتها في عينها أثناء سيرها في التوكتوك بأحد الشوارع المجاورة لم يترك ذهنها حتى هذه اللحظة: "أنا نفسي أكبر وأتعلم وأكون دكتورة علشان أعالج ماما من المرض اللي عندها وتفضل قدامي بخير"

في المنزل وعقب إنهاء يوم العمل، تستطيع رحمة أن تعيد ما فقدته من طفولتها طوعا في الشارع أثناء العمل، تهرع إلى ريموت التلفاز تبحث عن قناة الأفلام الكرتونية المفضلة، تجلس فوق الكنبة وتغوص في عالم "ماستر بين" الكوميدي الشيق، ثم يأتي الليل لتخرج إلى الأرجوحة الحديدية الملحقة بالغرفة :"أمي لما لقتني من فترة متعلقة بالمراجيح وبروح أركبها اشترت لي مرجيحة وبقيت أقضي معظم وقت الراحة وممكن أنام فيها".