Monday, 16 December 2019
رئيس التحرير
عصام كامل
 الأوبرا الخديوية.. الجمال الذي كان

الأوبرا الخديوية.. الجمال الذي كان


مائة وخمسون عاما تمر في نوفمبر المقبل على تأسيس دار الأوبر الخديوية، والتي احترقت في ٢٨ أكتوير ١٩٧١ بفعل فاعل، وتم استبدال الجمال بالقبح، حيث توسط ميدان الأوبرا جراج متعدد الطوابق، رغم التصريحات المتعددة للمسؤولين وقتها حول إعادة بنائها.

الغريب أن الفنان "فاروق حسني" وزير الثقافة الأسبق كان من ضمن مشروعاته إعادة إنشاء الأوبرا الخديوية في نفس المكان بعد هدم الجراج، وتم إعداد ماكيت مجسم للمشروع، قمنا بنشره في جريدة القاهرة التي تصدر عن وزارة الثقافة أثناء تولي الكاتب الصحفي الأستاذ صلاح عيسى رئاسة تحريرها، إلا أن بعض المستفيدين من الأرباح الخيالية للجراج من العاملين في المحافظة وقفوا حجر عثرة في طريق إعادة الجمال إلى ميدان إبراهيم باشا، الذي يعد قلب العاصمة؛ فحولوا جمال وسحر الأزبكية إلى عشوائيات وباعة جائلين.

استعدادا لافتتاح قناة السويس أمر الخديو إسماعيل، ببناء دار الأوبرا الخديوية بحى الأزبكية وسط القاهرة، حيث اعتزم أن يدعو إليه عددًا كبيرًا من ملوك وملكات أوروبا، وتم بناء الأوبرا خلال 6 أشهر فقط، بعد أن وضع تصميمها المهندسان الإيطاليان "أفوسكانى" و"روسحيث"، صنعت من خشب الأبانوس على غرار أوبرا ميلان، وكانت تتسع لـ850 شخصا، وكان هناك مكان مخصص للشخصيات المهمة، واتسمت تلك الدار بالعظمة والفخامة، وبلغت تكاليف إنشائها قرابة 160 ألف جنيه، وكان تصميمها حينذاك على غرار دار أوبرا ميلان، وكان من مظاهر التحضير لحفلة الافتتاح الكبير للقناة تعبيد طريق الهرم، وبناء دار الأوبرا الخديوية. وتم افتتاح مبنى الأوبرا يوم 29 نوفمبر سنة 1896.

وكانت رغبة الخديو إسماعيل متجهة نحو أوبرا مصرية يفتتح بها دار الأوبرا، حيث كلف "ميريت" باشا رئيس الآثار المصرية بكتابة قصة رواية مصرية تفتتح بها الأوبرا، فكتب قصة الفتاة المصرية "عايدة"، وتمت صياغتها شعريا لتناسب الفن الأوبرالي فكانت أوبرا عايدة، التي وضع موسيقاها الموسيقار الإيطالى "فيردى".. الذي لم ينته من الألحان في الموعد المحدد مما حال دون تقديمها في وقت افتتاح الحفل، فقدمت أوبرا "ريجوليتو" في الافتتاح الرسمى الذي حضره الخديو "إسماعيل" والإمبراطورة "أوجينى" زوجة "نابليون" الثالث وملك النمسا وولى عهد بروسيا، وعرضت عايدة لأول مرة في 24 ديسمبر 1871.

وبعد مائة عام من عرض عايدة، وقبل أيام قلائل من استكمال عامها المئوي كانت المأساة المدوية.

في صباح يوم 28 أكتوبر عام 1971، استيقظت مصر على نبأ حريق دار الأوبرا المصرية، أحد أهم الآثار الثقافية بمصر، التي التهمتها النيران على مدار 6 ساعات متواصلة ابتداءً من الساعة في الرابعة فجرًا، ورغم أن أسباب هذا الحريق أرجعت إلى حدوث ماس كهربائى..

فإن الشكوك كانت متزايدة حول نشوب هذا الحريق بفعل فاعل، لأنه قبل الحريق بشهرين كان هناك تجديد بالفعل لشبكة الكهرباء بالمبنى وبالتالى الشبكة كانت جديدة، ما يجعل هناك صعوبة في حدوث ماس كهربائى، كما أن إدارة المطافي تبتعد خطوات عن مبني الأوبرا، وتزايدت هذه الشكوك مع وجود بلاغ عن سرقة بعض محتويات دار الأوبرا مثل النجفة الكبيرة التي لا يمكن أن تخرج دون فكها إلى أجزاء، وبعض الأثاث..

وتم سرقة نوتة أوبرا عايدة الأصلية التي كتبها مؤلفها الإيطالى العالمى "فيردى" بخط يده، كما سرقت ملابس لا تقدر بثمن، كان يرتديها الفنانون العالميون أثناء العروض على مسرح الأوبرا ولم يتبق من دار الأوبرا العريقة سوي تمثالين.

وبعد حريق الأوبرا الخديوية، بنى مكانها جراج متعدد الطوابق، بينما اختير مكان آخر لبناء أوبر جديدة هي دار الأوبرا المصرية، والتي يقع في مبناها الجديد الذي تم تشييده كمنحة من الحكومة اليابانية، بأرض الجزيرة، في القاهرة، وقد بنيت الدار على الطراز الإسلامى، وافتتحت في 10 أكتوبر من العام 1988 ومازالت الأرض التي شهدت أمجاد الأوبرا تنعي حالها بعد أن تحول الجمال إلى عشوائيات والفن إلى جراج للسيارات.