السبت 22 فبراير 2020
رئيس التحرير
عصام كامل
 بيومى فؤاد.. وفضيحة تدمير التراث!

بيومى فؤاد.. وفضيحة تدمير التراث!


خمس دقائق فقط كشفت كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، في برنامج "أنا وابنتى" الذي يقدمه الفنان "شريف منير"، استضاف الفنان غزير الإنتاج "بيومى فؤاد"، وببساطة شديدة روى الفنان "بيومى فؤاد" قصة عمله في وزارة الثقافة، وأنه في إجازة بدون مرتب حفاظا على المعاش، المهم هنا أنه كان مديرا لإدارة الترميم وإدارة التوثيق..

وأنه من المواقف الطريفة التي لا ينساها، اللوحة التي كان يجب ترميمها ووجدها مهلهلة، وتم التعامل معها بحيث إنها لم تعد تصلح وانتهت للأبد نظرا لحالتها السيئة كما أشار "بيومى فؤاد"، ويؤكد أن كل الأعمال التي ترمم مهمة وبالملايين، ويضحك ويقول اللوحة وحشتنى! فيتعالى ضحك الحضور وعلى رأسهم الفنان "شريف منير" الذي نتوسم أنه مثقف!

اللوحة المهمة التي ثمنها بالملايين الله يرحمها وفراقها أثر على "بيومى فؤاد" وواضح من ضحكه وسخريته، وضحك "شريف منير" وهذا كله يكشف مستوى المأساة التي نعيشها، المسئول عن جزء من تراث مصر يتفاخر ويسخر من لوحة اعدمت لسوء التعامل معها، بالرغم من تأكيداته أن كل الأعمال التي يقوم بترميمها مهمة وبالملايين، والفنان "شريف منير" يضحك ويقهقه على الكارثة وكأنها نكتة..

هذه رسالة سيئة إلى المجتمع، لأنها تقلل من أهمية وقيمة تراث مصر، عرض هذه الكارثة ليس تسلية، ولكنه يعيد لنا ذكرى أليمة، سرقة اللوحة العالمية "زهرة الخشخاش" والتي لايزال سارقوها أحرارا بعد فشل النيابة في الوصول إليهم، ورغم أن الفنان "محسن شعلان" تم سجنه في هذه القضية، ليس لأنه السارق أو له علاقة بالسرقة، وإنما لأنه وجه ميزانية بند إلى بند آخر مخالفا للقانون!

كنت في زيارة لوزير ثقافة سابق، وهو أحد أبرز العقول الثقافية على مدى الأربعين عاما الأخيرة، فاجأنى بأمرين في منتهى الأهمية والخطورة، أولهما أن هناك أسماء استبعدها من أحد قطاعات الوزارة لأنها وردت في تحقيقات النيابة بخصوص سرقة لوحة "زهرة الخشاش"، والاستبعاد حماية وليس اتهاما لأنى لا أملكه، الأمر الثانى أننى وافقت على نسخ للأعمال الفنية من متحف الفن الحديث، ولكن تم النسخ بشكل عشوائى، ولم يتم وضع معايير وضوابط لهذه العملية، وهذا أكبر خطر على الأعمال الفنية الموجودة في متحف الفن الحديث!

هذا كلام وزير الثقافة الأسبق، بعد أن غادر الوزارة عاد من أبعدهم، وحدثت كارثة أخرى، وهى اختفاء خمسلوحات من متحف الفن الحديث لمدة أسبوع، وتم اكتشاف السرقة بالصدفة، عندما لاحظت أمينة المتحف أن اللوحات المنسوخة بلا بيانات في الخلف، وأطرف ما في هذا أن الأمر مر مرور الكرام، ولكن هذه الحادثة كان لها مؤشر في غاية الأهمية والخطورة، فقد علق الفنان والناقد الكبير "عزالدين نجيب" بأن ما حدث مزعج للغاية، ويجعلنا نتسأل عن آلاف الأعمال الموجودة في المتحف، هل تسلل إليها المفسدون واستبدلوا بعض الأعمال الأصلية بأخرى مستنسخة.. خاصة أن المتحف منذ أكثر من عشر سنوات تقريبا مغلق وجزء فقط يعمل للجمهور؟!

أما تعليق د.جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق فقال: عدم وضع معايير لنسخ الأعمال يجعل القلق يساورنا عن الأعمال الموجودة في المتحف!

متى نستيقظ من نومنا وجهلنا وإهمالنا لتاريخنا؟ العالم كله يهتم ونحن في غيبوبة تامة، "زهرة الخشاش" لايزال العالم يتذكرها ونحن نكرم المسئولين عن سرقتها بتعيينهم قادة في مواقع يقودونها، العالم يتذكر "زهرة الخشخاش" ويتحدث عن اللوحة المفقودة ونحن تسجل النيابة بأن الفاعل مجهول..

العالم يعرض آثارنا للبيع وأعمال كبار فنانينا مثل "سيف" و"أدهم" و"انلى" و"محمود سعيد".. إلخ ويأتى "بيومى فؤاد" بكل استهانة وسخرية يقول إنه اطاح في صندوق القمامة بعمل مهم بملايين الجنيهات ويضحك ويضحك ويقهقه "شريف منير" وحتى الرأى العام لم ينتبه للكارثة، وهذه كارثة أخرى وهى غياب الوعى بقيمة الأعمال الفنية، من الفنانين المحترمين وأيضا من المجتمع.

هل يمكن أن يتحرك أحد فيما نكتبه الآن؟ لا أعتقد أحد يهتم، ولا أحد يدرك أهمية ما نكتب، كارثة جديدة في الطريق الأجيال الجديدة ليس لديها الوعى بأهمية تراث وطنهم، هذا نتاج أن المجتمع وبعض القادة بالنسبة لهم يفتقدون تماما الوعى، فكيف ننتظر من الاجيال القادمة الوعى والجدارة بقيمة تراثهم، أصبح من يقود الآن لا يعرف الفرق بين قاعة العرض والمتحف، لا يعرف الفرق بين عناصر المتحف وعناصر محال الموبيليا، الأمر جد خطير، ولا أحد يهتم.

هل نعتبر سقطة "بيومى فؤاد" بمثابة صرخة غير مقصودة لفتح ملف التراث وتبديده، وعدم الاهتمام به سواء من الدولة أو من تختارهم للحفاظ عليها؟ أما آن الأوان أن نتعلم من أخطائنا وتراثنا في كل بلاد العالم منهوبا سواء بالتهريب أو بالجهل أحيانا؟

 للتذكرة فقط لوحة "الخشخاش" قدر ثمنها بأكثر من ثمانين مليون دولار، وأعمال المصريين "محمود سعيد" و"أ" و"سيف" و"انلى".. إلخ تباع في أوروبا بالملايين، الأمر ليس مجرد برواز على الحائط، وإنما عمل فنى رفيع وتراث لبلد عمرها من عمر التاريخ.

افيقوا يرحمكم الله
وتحيا مصر الطيبة بنبل أهلها البسطاء ملح الأرض.. تحيا مصر التاريخ من الفراعنة وحتى الآن.. تحيا مصر بنبل شبابها الذي دفع حياته للدفاع عن ترابها وأهلها..



Last Update : 2020-02-20 09:45 AM # Release : 0061