السبت 18 يناير 2020
رئيس التحرير
عصام كامل

محمد الراوي يكتب: العزيمة الصادقة

محمد الراوي
محمد الراوي


في مجلة "الأزهر"، عام 1972، كتب الشيخ محمد الراوي، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، عضو مجمع البحوث الإسلامية، "رحل عام 2017"، مقالًا عن الصوم في رمضان، قال فيه:

"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.. إن الصوم حصانة للجسد بالتهذيب والإصلاح وحصانة للروح بإبراز خصائصها وانتصار فضائلها.

والصوم يمدنا بالعزيمة المتجردة الصادقة التي ترد هواجس الشر وتحمل أعباء الحياة، والإرادة الحرة عون من الله لنا على تحمل أعباء الحياة.

وأي عزيمة أصدق، بل أي نظام، من أن نرى المؤمن في مشارق الأرض ومغاربها يمسك عن طعامه وشرابه في لحظة محدودة، ثم بتناوله في وقت معين من الليل إلى الفجر، بل أي إرادة حرة أكرم من إرادة المتجرد لربه، المتجه لخالقه، الممسك عن هواه تقربًا إليه، والممتنع عن الطعام والشراب رغبة فيه والمتجه بكيانه كله شوقًا إلى قربه وإيمانا بفضله.

أود، وبعد هذه النظرة العامة لتلك الفريضة لنا أن ندرك من أمرها أنها عبادة قديمة امتدت مع الإنسانية من بدايتها، لأن الإنسان من يوم أن كتب الله له الاستخلاف في الأرض، وهو بحاجة إلى إبراز الخصائص التي تؤهله وتعينه على أداء ما استخلف عليه.

والصبر الذي يحققه الصوم من أهم هذه الخصائص التي تؤهله للبقاء، بقاءه كإنسان خلق ليسعى إلى دار السلام بفضائله التي يحققها بسعيه، ويبرهن بما يحقق على أهليته للتمتع بثمار غرسه وجنة ربه.

ويأتي الإسلام متكاملًا لضبط النفس وحصانة القلب ورعاية السلوك، وتأتي فرائضه التي يقام عليها لتكون أساسًا راسخًا لبنيان متين.

ومن الأسس التي بنى عليها الإسلام الصوم الذي فرضه الله علينا وألزمنا تأديته، كما فرضه على الذين من قبلنا، فالصوم، مع كونه قربة إلى الله، يعطي للنفس قناعتها، ويعتقها من الهوى الكذوب، ويحررها من الشهوة الآسرة.

فلا يكاد يطلع على الناس هلاله حتى يغمر الدنيا ضوء من الخشية الهادية الرفيعة: الله أكبر.. أذان الفجر.. فليمسك الناس عن ملاذهم بعد أن حصنوا القلب بالخشية واللسان بالذكر، فأي سلوك يطبع الأمة على وحدة واحدة مصونة، ومحبة خالدة مثل هذا السلوك المنتظم المرتبط بآيات الكون المعترف بخالقه؟!

ففي لحظة واحدة لحظة الفجر الصادق، يتم الإمساك والنداء واحد، والمعبود واحد، والقبلة والغاية متحدان، وإذا النفس أرادت أن تنساق في فترة ضعف لهواها فذكرت صومها فأبصرت، وإذا الشيطان طاف بهذه النفوس يرجو غوايتها تذكرت الله وهي صائمة خاشعة فرجع الشيطان من ساحتها.

وإذا كان الصوم قد فُرِضَ على الأمم الماضية ليظل حبل الإنسانية موصول العزيمة فإن رمضان الذي فرض الله صومه على المسلمين لم يكن مقصورًا على الكبار وحدهم، بل الأطفال يتدربون عليه لينشأوا على العزيمة والضمير.