رئيس التحرير
عصام كامل

التعصب.. أبو التطرف


خلال الأسبوع الماضى توقفت كثيرا بالتأمل أمام موقفين: الأول ليس في الترتيب ولكن في الأهمية والدلالة، لأنه كان من نخبة مختارة وليس من عامة الشعب.. نخبة يفترض فيها الموضوعية وسمو الثقافة.. ما حدث كان إثر مقال كتبته انتقد ما تضمنه خطاب أرسله مجلس نقابة الأطباء إلى مجلس النواب، وبعد إتمام الموافقة على تعديلات قانون مزاولة مهنة الطب وما تضمنه من رفض لعمل امتحان للترخيص كما تتطلب قواعد جودة التعليم وتحتاجه مهنة الطب في مصر في ظل ما يحدث فيها حاليا..


ولخصت أهم الظواهر التي تؤثر على عدم إتمام قواعد جودة التعليم والعدالة وتكافؤ الفرص، ومنها تباين كبير في المستوى بين الخريجين من كلية إلى أخرى بل ومن عام ودور إلى آخر في نفس الكلية، ومن ذلك أيضا تساهل بعض الجامعات في منح التقديرات وتشدد جامعات أخرى، ثم وجود كليات طب خاصة بمصروفات باهظة وتضارب المصالح بين ترغيب الطلاب في الالتحاق بالكلية واستمرار تدفق الأرباح وبين جدية وعدالة التقييم..

ومن ذلك عدم وجود أي نقطة للتوحيد القياسي مع تعدد انظمة التعليم التي تمنح شهادات مختلفة، وأكبرها بعد الثانوية العامة هي الثانوية الأزهرية، خاصة بعد أن أصبحت جامعة الأزهر أكبر الجامعات المصرية، ووجود خمسة كليات طب فيها ويمثل خريجوها ما يقارب ربع خريجى كليات الطب العامة مما يثير جدلا حول تكافؤ الفرص والتوحيد القياسي وجودة التعليم.

فوجئت بعد نشر المقال بثورة عارمة من خريجى وطلاب طب الأزهر وحتى عمداء كليات فيها، يزعمون أنى أهين الأزهر وانتقص من خريجيه، وتباينت الردود من التهكم على شخص كاتب المقال إلى سبه وقذفه، مرورا بأن الأزهر خط أحمر لا يسمح بالاقتراب منه، ووصولا أنه رمز من رموز الإسلام الذي يُحارب ويُعتدى على رموزه..

وتضمنت الردود إنكارا للمعلومات الواردة بالمقال، وهى أن الأزهر ليس به خمس كليات طب بكامل هيئاتها من عمداء ووكلاء وهيئات تدريس وموظفين، أو أن جامعة الأزهر هي أكبر جامعات مصر من حيث عدد الطلاب وأعداد الخريجين!

توقفت طويلا أمام التعليقات والمقالات التي كتبت ردا ليس على محتوى مقالى وإنما ردا على الإهانة المزعومة للأزهر وخريجيه. وجدت أن الذي يجمع بين كل ما كتب هو عدم الموضوعية، فقد اختلف الكبير والصغير من المعلقين على درجة التعبير عن الغضب، لكنهم اتفقوا على عدم الموضوعية أو مناقشة فكرة المقال، وهى جودة التعليم والتوحيد القياسي لمستوى الخريجين.

أظهرت بعض التعليقات أفكارا غريبة تعكس ما يتداول بين الزملاء في الأزهر، فمنها أنهم أفضل لأنهم أكثر تدينا، ومنها أن دراستهم للعلوم الشرعية تبرر اعتقادهم أنهم يسلكون أصعب طريق، ناهيك عن السب والقذف ومحاولات التشويه والتحقير التي تتنافى تماما عما نعرفه عن الإسلام من دعوته السامية للأخلاق، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعلها هدفا أسمى لدعوته قائلا "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. وقوله "البر حسن الخلق".

إن توافق مجموعة من الناس في ردة فعل غير موضوعية أو منطقية واتجاه أغلبهم إلى مستويات مختلفة من العنف اللفظى من محاولات التشويه والتحقير والسب والإهانة تضع علامات استفهام حول ما يمكن أن يكون سببا لها، والأهم من ذلك ما يمكن أن يكون نتيجة لاستمرار هذا التوجه.

الموقف الثانى في الأهمية وإن كان أسبق زمنيا، كان بعد مباراة في كرة القدم في نهائى كأس أفريقيا بين الأهلي والترجى، حيث دار جدل بعد المباراة حول قرارات تحكيمية وتصرفات بعض اللاعبين، لكن المستغرب هو ردة فعل مناصرى بعض الفرق المناوئة، وكم التحريض ونشر الكراهية من بعض الإعلاميين، وما حدث من ممارسات غير قانونية من تسريبات غير رسمية لمقاطع فيديو من المفترض أنها سرية..

ثم تزوير مستندات لمزيد من التحريض على الكراهية والتواصل مع المنافس الخارجى لصب الزيت على النار والتأكد من حدوث أكبر ضرر ممكن لفريق محلى كيدا ونكاية.

فكرت كثيرا فيما وصل إليه التعصب في مصر، فالتعصب مرض لا يقتصر على مجال محدد وإنما هو برنامج يضاف إلى الشخصية ليضفى على ردود أفعالها مزيدا من الشراسة وعدم الموضوعية واستسهال ارتكاب الأخطاء ممن نناصرهم، وتصيد أو اصطناع كل ما يوقع الضرر ممن حولناهم من خامة المواطنة إلى خانة الكراهية.

إن التعصب الذي انتشر في مصر هو نتاج طبيعى لحملات نشر الكراهية وعدم قبول الآخر خاصة في المجال السياسي والعقائدى، في الوقت الذي افتقدنا فيه وجود تعليم حقيقى يؤسس لشخصية معتدلة متسامحة موضوعية، لا تصنف الآخر كعدو، ثم افتقدنا لإعلام هادف مستنير يمنع نشر الكراهية، ولا يبنى على الإثارة، وينشر القيم، ويعالح أمراض المجتمع.

علينا أن نحارب كل أسباب التعصب، ونتعامل مع أسباب تكوينه بكل حكمة واهتمام، لأن التعصب هو أبو الإرهاب الذين ندفع ثمنه من دمائنا.
الجريدة الرسمية