رئيس التحرير
عصام كامل

حسن معاملة الأسرى أبرز مبادئه.. أخلاقيات الجيش المصري منذ عهد الفراعنة


قال مجدي شاكر، كبير أثريين بوزارة الآثار، إن التقييم الموضوعي للجيوش لا يتم فقط من خلال إنجازاتها العسكرية وتسليحها وخططها، ولكنه يتم كذلك من خلال منهجها الأخلاقي الذي تتعامل به مع أعدائها أثناء المعارك، مشيرا إلى أن الدارس للحضارة المصرية بوجه عام، والجيش المصري بوجه خاص، سيلاحظ تقاليد استقر عليها الجيش المصري وجعلها منهجًا له.

وأضاف شاكر: "جاء هذا المنهج معبرًا عن أصالة الإنسان المصري، وتمسكه بالمبادئ والأخلاقيات والمثل، حتى وهو يتعامل مع الذين يسعون لتهديد أمنه، وكان الجيش المصري يقاتل بضراوة دفاعا عن العرض، لكنه كان يتعامل بكل التحضر عندما كان الأمر يتعلق بالمدنيين أو بمنشآت مدنية، مدركًا أن قوته ليست في عسكريته فقط، ولكن في سلوكه خارج إطار الأعمال العسكرية.

وأوضح شاكر، أن المقاتل المصري القديم اتسم بالنبل والسماحة في المعاملة مع الأسرى، نعم أثناء القتال أتى المحاربون بما هو من مهام الحرب من قتل وغيره، أما البطش والتنكيل والانتقام من الأعداء مما ظهر عند غيرهم من شعوب العالم القديم، لم يقره المصـري القديم، ولم يحقروا معبودات الأعداء.

معاملة الأسرى
وأشار إلى أن من بين دلالات تحضر الجيوش قديمًا وحديثًا، أسلوب تعاملها مع أسرى الحرب، فالجيش القـوي في حربه يكون قويا في سلمه في جوانب عدة، من بينها ضبط النفس عند التعامل مع الأسرى العزل من السلاح، وهكذا كانت شيمة الجيش المصري التي هي امتداد للطبيعة السمحة للإنسان المصري بوجه عام، وبنظرة فاحصة للنصوص العسكرية المسجلة على جدران المعابد وعلى غيرها من الآثار، يتضح لنا أن من بين المبادئ الراسخة في تقاليد الجيش المصري مبدأ حسن معاملة الأسير، وإن بدا الأسرى مقيدين بالأربطة في بعض المناظر، فذلك كان بقصد التعبير عن دلالة الحدث.

وعلى امتداد فترة العسكرية المصرية في الدولة الحديثة "عصر الإمبراطورية" لم نسمع إلا عن حادثين أسيء فيهما معاملة الأسرى في عهد كل من الملكين "تحتـــــمس الأول" و"أمنحتـب الثاني"، من ملوك الأسرة الثامنة عشرة، إن ذكـر هاتين الحادثتين أبرز دليل على أن المصـري القديم كان أمينًا في تسجيل ما كان يجري في حياته المدنية والعسكرية من أحداث، وكان بوسعه أن يتجاهل هاتين الحادثتين، لكن لأنهما تمثلان خروجـا على التقاليد العسكرية والإنسانية المصرية فقد رأى ضرورة الإشارة إليهما، ربما تعبيرًا عن رفض هذا المنهج في التعامل مع الأسرى.

ويتضح ذلك في الأسرة السادسة على سبيل المثال، عندما بعث الملك "ببي الأول" بحملة عسكرية ربما إلى فلسطين بقيادة "وني" الذي سجل على جدران مقبرته في "أبيدوس" أخبار هذه الحملة، ويقول: (حارب جلالته سكان الرمال الآسيويين، وقد حشد جيشًا مؤلفًا من عشرات الآلاف من الجند).

ويستمر النص تعبيرًا عن السلوك المتحضر للجيش المصري، فيذكر: (لم يشاجر أحد منهم غيره، ولم ينهب أحد منهم عجينة الخبز من متجول، ولم يأخذ أحد منهم خبز أية مدينة، ولم يستول أحد منهم من أي شخص على عنزة واحدة) هكذا كانت أخلاقيات الجيش المصرى القديم.

وضرب الإمبراطور (تحتمس الثالث) المثال الطيب في معاملة الأسرى وزعمائهم على حد سواء بعد أن ضيق الخناق عليهم في معركة "مجــدو" وحاصرها سبعة شهور، وعندما استسلم أهـــل المدينة ثم الزعماء أطلق سراحهم قابلًا منهم الجزية، وقد أخذ خيولهم تاركًا لهم الحمير كعقاب يسير، ولأنه كان في حاجة ماسة للخيول؛ كما عمل على اصطحاب أبناء أمرائهم إلى مصر ليتعلموا المثل والقيم المصرية حتى يشبوا على الولاء لمصر وملكها ويتأثروا بمصر علمًا وثقافة، فإذا ما عادوا ليحكمـوا بلادهم كانوا موالين خاضعين عن قناعة لمصر.

ووصف الأثرى الإنجليزي ”آرثر ويجل" الإمبراطور (تحتمس الثالث) وشعبه بقوله: (أنهم أعظم شعوب العالم القديم رحمة وإنسانية) نعم أنه الجندى والجيش المصري الذي كان وما زال وسيظل الدرع الواقي لمصر والأمة الإسلامية.