رئيس التحرير
عصام كامل
المتلونون الجدد

المتلونون الجدد


بداية.. أعلن فشلي في الخروج بالكتابة من دائرة المتلونين، فمن الواضح أن الأمر ليس باليسير، وأن ثمانية مقالات تناولت فيها أعمدة التلون لم تكن كافية، وأن إغراء الكتابة في هذا الملف ينسينا حالة الغثيان التي تصيبنا عندما نتصفح أوراقه، ومع الإغراء.. تأتي المسئولية التي تحتم علينا تسليط أشعة أقلامنا على مناطق المرض في جسد المجتمع، حتى ينجلي الأمر أمام صاحب القرار، فإما أن يبترها، أو يعزلها حتى لا تتمدد عدواها فتصيب آخرين. 

أما العلاج فلن يجدي مع هذه الأمراض المزمنة، خاصة المتعلقة بالضمير والمبادئ، كما أن تجاهل البتر والعزل جعلنا أمام جيل جديد يحمل نفس الأمراض، جيل كان في السابق بويضات نفاق وتملق، ثم فقست مبكرًا بفعل سخونة أجواء الصراع بين المتلونين، وها هي تطفو على السطح مع ثورة ٣٠ يونيو، وها نحن نسلط أشعة أقلامنا مرة أخرى، آملين في البتر أو العزل، حماية للمبادئ، وحفاظًا على المجتمع.

المتلونون الجدد هتفوا ضد الجيش في أحداث يناير، وهاجموا الشرطة، وتطاولوا على الرئيس، منهم من تغزل في خيرت الشاطر بمقال كان أقرب إلى القصيدة عندما أعلن عن فوز محمد مرسي في الانتخابات، ومنهم من كتب مقالًا بعنوان (البسوه) عقب فوز السيسي في الانتخابات، ومنهم من تقاضى أموالًا من الخارج لدور يقوم به، ومنهم من امتلأت صفحاتهم على (فيس بوك) بعبارات كانت (عربونًا) لبيع الوطن.

هؤلاء جعلوا من الهتاف صنعة، ومن تواجدهم على صفحات التواصل الاجتماعي تجارة، ولأنهم استوعبوا الدرس من أساتذتهم في التلون.. بادروا بالنفاق، وتظاهروا بالمعرفة، ثم المديح أمام الكاميرات، والذم في الغرف المغلقة.

البعض رأى أن احتواء المتلونون الجدد نوع من العلاج، فتم الدفع بهم إلى صدارة المشهد، يقدمون البرامج التليفزيونية والإذاعية، وتخصص لهم مساحات ومسئوليات في الصحف، وهو ما خلق الفجوة بين صاحب القرار ومن يعرفون حقيقة هؤلاء، حتى أن ما رآه البعض علاجًا.. رآه الغالبية صفقة أو ترضية، ترتب عليها خلل في بناء البنية الإعلامية الجديدة، وكان فقدان الإعلام لتوازنه، وغياب دوره الحقيقي وعدم الرضا عنه.. نتيجة طبيعية لهذا الخلل.

المتلونون الجدد اعتبروا أن ما حصلوا عليه من امتيازات حق مكتسب، فإذا غادر أحدهم شاشة أو ميكرفون أو صحيفة بسبب فشله.. انقلب على من ميزوه، وأحيانًا ينقلب على النظام، سئل أحدهم بعد تجريده من مميزاته: كيف ترى حال البلد ؟ فقال: ربنا يسترها، أنا لست متفائلًا !!

ولأن المتلونين الجدد تعاملوا مع أساتذتهم في التملق والنفاق بندية.. تعجلوا التخرج في مدرسة التطبيل، ففقدوا بعض أدواته نتيجة الخبرة المحدودة، لذلك رأيناهم يتعجلون القفز من أحد المراكب، لا لأنها تغرق، ولكن لأن قائدها انتقل إلى مركب آخر، ربما كانت بعيدة عن ما يطمح إليه المتلونون من مميزات، ليس هذا فقط.. لكنهم بدءوا في استخدام أدواتهم القديمة مثل (فيس بوك وتويتر وجلسات النميمة) في التطاول على من ظن أن علاجهم في الاحتواء فأغدق عليهم. 

بل إنهم بدءوا في إعادة تقديم أنفسهم لمن بدأ في قيادة المركب الذي يتسابقون على القفز فيه، وربما يدعون ظلمًا تعرضوا له، أو حقًا سلب منهم، تلك أدوات فطمهم عليها أساتذتهم، حتى صاروا مرضًا وجب بتره من جسد مجتمع يسعى للتعافي.
basher_hassan@hotmail.com