رئيس التحرير
عصام كامل

عسكرة الشرطة النظامية


بعد كل جريمة إرهابية تقع نتساءل دائمًا عما إذا كانت الشرطة متهاونة في أداء واجباتها الأمنية أم مظلومة؟ وهل نحن نُحَمِّل الشرطة أكثر من طاقتها أم لا ؟ وهل هي تملك الحِرَفِية اللازمة لصد كل ذلك العنف؟


هذه التساؤلات تقودنا إلى ضرورة فهم ماهية الشرطة وحدود دورها ووظيفتها بداية من طرح السؤال المكرر.. هل هي قوات نظامية ؟ أم تشكيلات عسكرية ؟ حيث يكمن فيه منطلق الفهم وبداية تحديد المشكلة، فالدساتير المتعاقبة لمصر تنص على أن قوات الشرطة قوات نظامية، وهى القوات التي لا تتلقى تدريبًا عسكريًا من ناحية المفهوم والتخطيط والتسليح، بل هي قوات مدنية الطابع، تكون مهمتها الأولى منع الجريمة قبل حدوثها من خلال اختلاطها بفئات الشعب ومعايشتها لنمط الفكر المجتمعى وتعاملها معه وفق تقاليده وعاداته.

وفى حقيقة الأمر، نجد أن طبيعة المهام النوعية للتحديات السياسية الداخلية التي فرضت النظم الحاكمة على الشرطة مواجهتها طوال عقود مضت، أخرجتها من مفهومها المدنى الاجتماعى الوقائى إلى واقع وشراسة المواجهات العسكرية التي هي من شأن قوات الجيش وطبيعة تسليحه، وجعلتها فعلًا قوات عسكرية بالمخالفة الصريحة لأحكام الدستور، وتضاءل دورها النظامى وتفاعلها الاجتماعى الواسع الذي استوعب مثلًا فرقة حسب الله، وهى تشارك المصريين أفراحهم بزى الشرطة الرسمى وهم يصدحون بموسيقى الشرطة مع آلاتهم النحاسية، وجعلت المشاهد يتقبل أدوارًا سينمائية قد لا يتقبلها اليوم كدور حكمدار العاصمة الذي أداه يوسف وهبى وهو يلقى نداءً خاصًا من الإذاعة لمواطن كى لا يتعاطى دواءً يضره صحيًا !

لقد نالت الشرطة مصداقية وهيبةً اجتماعية في الماضى جعلت صفارة شاويش الدرك تشكل أعتى سلاح ضد المجرمين، كما كانت صيحة (مين هناك) في جوف الليل كفيلة بمنع وقوع الجريمة وتبث الرعب في نفوس المجرمين.

صحيح أن الظرف السياسي والأمني صعب، ولكن من المهم للشرطة بعد زوال الغمة أن تعمل على العودة ثانية كقوات نظامية مدنية صرفة، وتحرص على كسب رضا المواطن ونوال ثقته واحترامه، لأنها لن تستطيع أن تحقق هدفها في حفظ أمن المجتمع إلا بتعاون صادق وعميق من جميع أفراده معها.
الجريدة الرسمية