رئيس التحرير
عصام كامل

الكتابة في نهار رمضان

عصام كامل، فيتو
عصام كامل، فيتو

في نهار رمضان وبعد نفاد الكمية المعتبرة التى تحتفظ بها من الكافيين ورائحة القهوة يصبح الإمساك بفكرة وامتلاك زمامها ونواصيها ضربا من الخيال، تتناثر الأفكار فوق بعضها تلالًا، بحيث لا تدرك القدم من الرأس ولا الرئة من بطن المعدة ولا حتى الشهيق من الزفير.


وكتابة مقال واحدةٌ من مغامرات لا تحمد عقباها، أما القراءة ففى الإعادة طوال اليوم إفادة، تقرأ الخبر مرتين ثم تدرك أنك بحاجة إلى الثالثة، فكما يقولون «التالتة تابتة»، تسبح عيونك على العناوين، أما التفاصيل ففيها يسكن الشيطان رغم حبسته المعلومة أيام رمضان.


أمسكنى من رأسى شيخ شيوخ الصحفيين أحمد الصاوى محمد 1902-1989م، وأخرج بقية كانت قبيل الفجر من فنجان قهوة من النوع المعتبر، ذلك الطفل الذى ندهته نداهة الأهرام وهو فى الثانية عشرة من عمره من خلال نداءات باعة الصحف فى الشوارع أهرام.. أهرام.


أمسك بقلمه وهو فى العشرين، وبدأ يخط بدايات مقالاته ويرسلها إلى الأهرام لتنشر فى زوايا ضيقة بصفحات داخلية، وهو فى كل أحلامه يداعبه طموح الالتقاء بـ«تكلا بك» صاحب الأهرام.. فى العشرين من عمره كتب مقالا ليتبعه نشر فى صدر الصفحة الأولى.


كاد قلبه الصغير أن يتوقف عن النبض عندما جاءه اتصال: أصبحت كاتبا فى الأهرام. وكان عمره ساعتها 22 عاما، وبمرتب عشرة جنيهات، كان الجنيه الورق يساوى جنيها من الذهب وقرشين ونصف القرش صاغ زيادة، ويتقاضاها في أول الشهر وليس آخره.


قال الصاوى للمتصل إنه سيسافر لدراسة الصحافة فى باريس، فكان رد تكلا بك عليه إن كنت ستسافر لدراسة القانون فليس هناك مانع، أما الصحافة فإن موهبتك سبقت الدراسة، وموهبة الكتابة لا تحتاج إلى دراسة.. تحتاج إلى صقل تلك الموهبة بالقراءة والاطلاع ومزيد من الكتابة.. ملحوظة.. الراتب حق للصاوى سواء كتب أو لم يكتب!

مرتب الصحفي


سرحت قليلا فى التفاصيل وما وصلنا إليه، فمرتب الصحفى اليوم لا يساوى ربع جنيه ذهبا أو ورقا من ذلك الورق الذى كان بمقدار الذهب أيام الصاوى.. واليوم نقتات -نحن الصحفيين- من بدل تمنحه الحكومة لنا أول كل شهر، وإن تأخر يصبح لزامًا علينا الهرب من البقال والخضرى وصاحب محل الجزارة الذى نزوره مرة كل شهر لنعاين بعض الجرامات.


من ذلك الذى أوصل أصحاب واحدة من أقدس الرسالات والمهن إلى حد التسول وهيمن عليهم وعلى أفكارهم وإرادتهم بشبح الحاجة والعوز والفقر؟ ومن ذلك الذى جعل المجموع واحدًا والرأى واحدًا والكلمة واحدة والنص واحدًا والهم واحدًا واللهث وراء سد الجوع هدفًا وغاية؟


وقبل أن أدلف إلى تفاصيل يسكنها الشيطان كان لا بد أن أغير بوصلة الكتابة، قلبت فى مجلد قديم يعلو الصف الأول فى مكتبتى.. «نيل الأوطار.. شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار»، وحديث يطول شرحه عن عمارة المساجد والنهى عن تشييدها أو إعلاء مبانيها وتزيينها، يقول الرسول الكريم: «ما أمرت بتشييد المساجد»، والحديث صححه ابن حبان ورجاله رجال الصحيح.


قال البغوى فى شرح السنة: التشييد رفع البناء وتطويله، ومنه قوله تعالى: {بروج مشيدة}، وهى التى طوِّل بناؤها، وقيل: البروج المشيدة المجصصة. وعن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم  قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس فى المساجد». رواه الخمسة إلا الترمذى، وقال البخارى: قال سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل، وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: «أكن الناس، وإياك أن تحمِّر أو تصفِّر فتفتن الناس»، أي: لا زخرفة ولا زينة.


وقبل أن تشى بى أفكارى عند حدود اللامسموح، كان لا بد من قطع حبل الفكرة التى لا تزال تقاوم من أجل بقائها وطرح مساحات لها تنقلنى إلى عالم ذلك الحبيس فى نهار رمضان وليله، مسحت عيونى وقلبت رأسى يمينا ويسارا، وخرجت للتو بحثا عن أخرى.

أرباح الشهادات والتضخم


ظنى أن جرعة النيكوتين الأخيرة قد نفدت تماما، وأصبحت فى مرمى الهذيان أو داخل ملعب الشيطان الحبيس إلا من رأسى، فكان لزاما عليَّ الشروع فى الانتقال إلى فكرة فانتقلت، يقول الخبر إن البنكين الأكبر فى مصر بصدد إصدار شهادة بفائدة متناقصة 22٪ لثلاث سنوات، تبدأ بـ22٪ وتنتهى بـ18٪ وشهادة أخرى لسنوات ثلاث بفائدة ثابتة 19٪، وذلك حبسا لمال الناس ومواجهة التضخم.


بالطبع سيكون أمام المدخر الذى يمتلك مائتى ألف جنيه على سبيل المثال أن يتوجه إلى ثلاث دوائر لا رابع لها.. إما الذهب، ولكن هذا المبلغ لن يسمح له بشراء سبائك متناهية الصغر ليبيعها شهريا فيحصل على ما يحتاج إليه من مصروفات لبيته، وربما يتجه إلى العقارات، وبالطبع عقارات الـ200 ألف لم يعد لها وجود، أو أن يتجه إلى الدولرة، وهى مخاطرة غير محسوبة العواقب.. إذن ليس أمامه إلا شهادات البنوك.


فكرت قليلا، ما الذى يجعل فلاحًا يمتلك فدانا من الأرض لا يحقق أكثر من 10٪ سنويا بعد شغل وإرهاق ومصروفات أن يظل على عهده بالأرض، أظن أن البيع سيكون هو الهدف الأسمى.. مليون جنيه فى البنك سيحصل بموجبها على 190 ألف جنيه سنويا ويا دار ما دخلك تعب ولا نصب ولا شر.. تتوقف الزراعة.


الصناع فى بلادى لا تزيد أرباحهم عن 15٪ مع صداع العمالة والكهرباء والماء والتشغيل والضرائب والجودة والرسوم وخوازيق القرارات الحكومية والبيع والتوزيع وقصة من الإرهاق والتعب والصداع والإهلاك واستبدال الماكينات والجمارك وتوفير دولار للمواد الخام.. بلاها صناعة.. تخرب الصناعة!


يبدو أن العيش بلا كافيين ونيكوتين مآله نهاية محتومة من الجنون والكتابة فى السطور الممنوعة، ويبدو أيضًا أن الأمر لن يسلم إذا ظل القلم على صيامه، والبحث عن مناطق آمنة يعد أمرا صعبا، فلماذا لا نكتب عن الكورة وما أدراك ما الكورة.. عالم من الفساد الذى عانق الأنوف بعد تعدى مرحلة الرُّكب.


فى هذا العالم يمسك أربابه بملايين الدولارات ينفقونها على خبراء ومدربين وحكام وفار، ويحصل اللاعب الواحد منهم على ما لا يحصل عليه عالم جليل فى معامل العلم والبحث والتدقيق، ننفق ملايين الدولارات على مجموعة من الفشلة لنحقق «صفرا» فى كل مسابقة.


فى بلد يكتوى بنقص حاد فى الدولار يصبح الإنفاق على الفشل أهم من الإنفاق على مصنع يتيح فرص العمل والتصدير والبيع بالدولار، ويصبح مجرد فاشل فى دراسته جرى وراء اللعب واللهو أهم من مجدى يعقوب ومحمد غنيم ومحمد عبد الوهاب وأحمد شقير.

 


ما هذا الذى ألوك به فى وضح النهار -نهار رمضان- وكيف يتأتي لى اللعب مع الكبار، نعم، فالكرة أضحت لعبًا للكبار ولا مكان للصغار من أمثالى فيه، الكرة سياسة، ومن ظن غير ذلك فهو واهم أو مخرف أو مجنون أو فاقد للنيكوتين والكافيين، أو على أقل تقدير صائم مثلى والصوم زهد.. زهد فى كل شيء حتى الأفكار.

الجريدة الرسمية