رئيس التحرير
عصام كامل

ذات صباح شتوي ساخن

منذ وعيت على الدنيا، والعائلات في قريتنا تتنافس في ما بينها على أشياء تافهة، أو -بالأحرى- هي أشياء تبدو لي تافهة، لكنها تمثل قيمة كبيرة لهم.. واختصارا سأحكي لكم قصة من قصص التنافس هذه، وأترك لكم أنتم الحكم، كي لا يتهمني أحد بأنني أسفه الأمور العظيمة لغرض في نفسي، فاسمعوا واعوا.


في البداية أحب أعرفكم أن قريتنا مجرد بلدة صغيرة المساحة، تشطرها من المنتصف ترعة ممتدة، كانت في أزمنة فائتة تروي أراض تجري فيها الخيل -من صباحية ربنا- فلا يصل إلى آخرها، لكنها لم تعد كذلك، فمعظمها جرد من الطمي، فأصبحت كرأس الرجل الأصلع، لا تنبت فيها شعرة.

وهكذا باعت العائلات أراضيها، التي دخلت في كردون المباني، وبات سعر المتر الشيء الفلاني، وحين لعبت الفلوس في أيدي الناس، راحوا يتنافسون على شراء ما لا يحتاجونه.. كثرت الأموال، وقلت الأشياء المعروضة، فارتفعت الأسعار لعنان السماء، وتقاتل الناس للفوز بهذه السلعة أو تلك، حتى لو لم يكونوا في حاجة لها.


وكانت كل عائلة تباهي جارتها بما لديها، وحين تمتلك إحداها ما ليس عند جارتها، كان الناس يحتسبون ذلك نصرا، ويسجلون نتائج هذه المباريات المجنونة، فيقولون مثلا إن عائلة عبدالصبور قد أحرزت هدفا في شباك عائلة شاهين، وحين ينعكس الوضع، كانوا يسجلون الهدف لصالح شاهين في مرمى عبدالصبور.


بالطبع لم تكن عائلة عبدالصبور ونظيرتها شاهين هما فقط العائلتان المتنافستان، لكنهما كانتا أبرز اللاعبين في هذه البطولة الوهمية، كما أن لهما الحكاية الأغرب في تاريخ القرية، وهي تلك الحكاية التي أقصدها.

ففي أحد الصباحات الشتوية، استيقظ سكان القرية على منافسة غريبة، تصارع فيها أبناء شاهين مع أندادهم من أبناء عبدالصبور، وكان التنافس على لقب «صاحب أعلى طاقية»! والطواقي في بلدتنا من الجوخ المعتبر، بنية اللون، طويلة وكأنها طرطور مهرج في سيرك.

أطول طاقية


ضربة البداية كانت للحاج محسن شاهين، الذي نزل البندر واشترى طاقية بارتفاع 30 سم، ثم جلس أمام داره مشعلا سيجارة لف، وإلى جواره راديو يذيع واحدة من أغاني الست.. وحدث أن مر من أمامه الحاج صبري عبدالصبور، راكبا حمارته، فألقى السلام على الرجل الجالس، غير أن الأخير شعر بالإهانية فكيف لهذا الرجل أن يلقي عليه السلام دون أن ينزل من على ظهر حمارته.

 

تشاجر الرجلان، وأصر محسن شاهين أن ما فعله صبري عبدالصبور إنما هو عمل مشين، وقال: يا صبري، ألا ترى الطاقية على رأسي طويلة كما برج الحمام؟ وفي استهزاء رد صبري عبدالصبور: وما دخلي أنا ببرج الحمام على رأسك، هل تريدني أن أذبح لك جوزين وأحشيهم فريك؟!


كلمة من هنا وكلمة من هناك، اشتعل الموقف، وتجمع الناس، فتدخل شيخ البلدة، والذي أفتى بأن محسن شاهين هو صاحب الحق، وذلك لأنه يعتمر أطول طاقية، فالحق في بلدتنا لصاحب الطاقية الأطول!
 

لم يجادل صبري عبدالصبور كثيرا، وأبدى موافقته على الكلام، لكنه قال إنه شخصيا يمتلك طاقية أطول من تلك التي يضعها منافسه على رأسه، فقال الناس إذا كان الأمر كذلك فالحق مع صبري عبدالصبور، لكن محسن شاهين أقسم أن منافسه رجل كاذب.. وإنهاء للخلاف، طلب شيخ البلد من الرجلين أن يجتمعا في اليوم التالي في بيت العمدة، فراح كل إلى حاله.

 

وفي اليوم التالي، تجمع الناس، وجاء صبري عبدالصبور معتمرا طاقية بعلو 50 سم، فبهت ابن شاهين، الذي طلب مهلة حتى اليوم التالي ليري الجميع أن لديه طاقية بارتفاع 70 سم، غير أن ابن عبدالصبور أقسم أن لديه في البيت طاقية بارتفاع متر بحاله.
 

في اليوم التالي -لليوم التالي الذي ذكرناه سابقا- جاء الرجلان وكل منهما يضع على رأسه طاقية بارتفاع يشبه ناطحات السحاب.. وهنا أمر العمدة أحد الخفراء بأن يحضر سلما خشبيا، كي يصعد لأعلى من أجل قياس الطواقي، ليقف على حقيقة من هو صاحب أطول طاقية في البلد.
 

حدث ذلك قبل سنوات، ومذاك والعمدة يواصل الصعود لأعلى ولا أحد يعرف عنه شيئا فقد انقطعت أخباره، أما صبري عبدالصبور ومنافسه محسن شاهين فقد ماتا من الجوع تحت طواقيهم، تلك التي أنفقوا عليها كل أموالهم.

الجريدة الرسمية