رئيس التحرير
عصام كامل

الفراشة التي افترست الذئب

ليزا فتاة رقيقة في السابعة من عمرها، استمدت جمالها المدهش من نبع صاف قرب المحيط، حيث ولدت، فأخذت من ماء النبع عذوبته ومن أمواج المحيط حيويتها الدائمة.. منذ أن استنشقت أول دفقة هواء لها في هذا العالم، تيقنت أمها بأنها قد أنجبت معجزة صغيرة، فلم يحك أحدهم يوما عن نبع ماء عذب يبيت في حضن محيط ماؤه ملح أجاج.

في لحظات المد، تنطلق ليزا كحصان بري لا يمكن إيقافه، بينما تستكين في لحظات الجذر كزهرة لم تتفتح أوراقها بعد.. قبل ثلاثة أشهر وخمسة أيام، خرجت ليزا ضمن صفها في رحلة تخييم بالصحراء البعيدة، حيث رقصت وغنت وأطعمت الأرانب البرية وهي تلاعبها.

وفي الليل، بينما غاب ضوء القمر حين حجبته السحابة الكبيرة، أشعل معلم الصف نارا من أجل الإنارة والتدفئة، فتحلقت ليزا وأقرانها حول ألسنة اللهب المتراقصة، إلى أن هطلت الأمطار بغزارة فأطفأت النار، ولم يفلح المعلم في إعادة إشعال الحطب المبلل بماء المطر.

فراشات مضيئة

التزم الجميع الصمت، فيما ذهب المعلم بعيدا بحثا عن بعض الحطب الجاف لإشعال نار جديدة.. تأخر المعلم كثيرا، وبدأ القلق يسعى بين الأطفال، كأفعى تتلوى بين أوراق الشجر، في ليلة خريفية.. قالت المعلمة إنها ستذهب لتبحث عن المعلم الذي تأخر، وطلبت من الأطفال الكبار أن يهتموا لأمر أقرانهم الصغار، ثم مضت.

بدأ الخوف يسري في عروق الصغار، فانكمشوا كأوراق زهرة تلتئم، بينما صوت الذئب يقترب.. مثل الجميع كان قلب ليزا يرتجف خوفا، لكنها أبدا لم تستسلم، إذ راحت تتحايل على مخاوفها بإعادة حكي القصص التي سمعتها من جدتها، وأضافت إليها بعضا من خيالها.

في تلك الأثناء، التقت المعلمة بالمعلم، لكنهما ضلا طريق العودة إلى الأطفال، إلى أن لاحظا وميضا يلمع في الأفق، فسارا نحوه، أملا في أن يكون الأطفال قد نجحوا في إعادة إشعال النار.. عاد المعلمان إلى الأطفال، ولم يكن ذلك الضوء إلا وميض فراشات صغيرة ملونة.. فمن أين أتت الفراشات المضيئة؟

 

 

لم يطل العجب كثيرا، إذ رأيا بأعينهما أن ليزا كلما حكت واحدة من قصص جدتها المطعمة بخيالها، تحولت الحكاية إلى فراشة ملونة تشع نورا.. كفت ليزا عن الحكي، بعدما تحولت السماء إلى بساط مرصع بفراشات النور، أما زملاؤها فكانوا يفردون أذرعتهم لمعانقة النسيم.

الجريدة الرسمية