رئيس التحرير
عصام كامل

فن الهمبكة: المرتب وأشياء أخرى

العلاقة بين الموظف المصري ومرتبه معقدة للغاية، فالواحد منا يعمل 30 يومًا في الشهر ومع ذلك يقبض المرتب في يوم واحد ويصرفه في خمس دقائق. ولهذا يصف المصري الأصيل المرتب بأنه «أسرع طائر» في الكون.. أو ربما أكثر مادة يمكنها التبخر في لمحة بصر «فشر السبرتو».. وشخصيًا، سألت نفسي كتير «هو المرتب مفيهوش خير ولا أنا اللي في الشر؟».. لكنني للأسف «مارسيتش يوم على بر»، ومع ذلك بقيت الأسئلة تنهش عقلي ككلب شوارع أجرب لم يأكل منذ أسبوع وأخيرًا وجد عظمة..

كنت أسأل عن السر في تسمية ما نقبضه كل آخر شهر باسم المرتب، وبالبحث والفحص والتفكير المكير توصلت إلى إجابة أسأل الله أن تكون شافية لما يدور في الصدور.. الإجابة الوحيدة والأكثر منطقية في سبب تسمية المرتب بهذا الاسم هي أن ما نقبضه نحن كل شهر يكون مرتبا له فيما سنصرفه، فثلث للبقال وثلث للجزار وثلث لصاحب البيت..

 

أتذكر أنني ذهبت مرة بصحبة أحد زملائي في العمل لصرف المرتب من خلال ماكينات الصراف الآلي، وساعتها قسمت المبلغ إلى أربعة أجزاء ووضعت كل منها في جيب من جيوب البنطلون وجاكت البدلة اللي حيلتي، وسرنا في الطريق وكل منا يشعر بنشوة المتكلفت في بطانية ولحاف في ليلة شتوية باردة، غير أنني بمجرد أن عدت للبيت أصبحت كمن ولدته أمه للتو.. عاريًا إلا من 200  جنيه – أعزكم الله - لقد وزعت الوليمة على «الديانة» قبل أن يرتد إلى طرفي..

المرتب والبركة

وأذكر في مرة أخرى أنني غبت وطال غيابي فلم يشعر بالقلق سوى «الديانة».. فيما قال لي صديقي المقرب إنه يحب زميلته في العمل، وكلما شاهدها يفرح وكأنه قبض للتو مرتبه. أما أبلغ ما قيل في المرتب فهو إنه يشبه ضيف عزيز النفس، يزورك لخمس دقائق فقط كل أول شهر، ثم يأخذ بعضه ويذهب إلى جيوب الآخرين.

وقال حكيم، إن كل الأشياء تولد صغيرة ثم تكبر، إلا الحزن والمرتب فإنهما يولدان كبيران ثم سرعان ما ينكمشان بمرور الزمن. وجاء في دراسة بريطانية، أن الإنسان البالغ يحتاج من خمسة إلى ستة مرتبات شهريا. وحين قلت لأحدهم إن المرتب أصبح «صغيرا» علينا، نفى ذلك، وأقسم لي بأن «احنا اللي كبرنا» أو ربما «تخنا».

وأذكر في مرة ذهبت إلى صاحب العمل لأطلب منه مرتبي الذي تأخر لشهور، فشك في سلوكي وظنني أتعاطى المخدرات لكوني أريد الحصول على مرتب كل شهر، وذكرني بأنني قبضته قبل ثلاثة أشهر. وأظن – وبعض الظن ليس إثما – إن المرتب قل خيره، منذ أصبحنا نسميه salary  والعياذ بالله، لهذا أطالب بقانون يعاقب من يسمي من نحصل عليه آخر كل شهر باسم آخر غير مرتب أو مهية أو حتى القبض، حتى تعود له البركة.

 

 

 في كثير من البلدان يسمون المرتب بـ«المعاش» كونهم يتعيشون منه، لكن مثل هذه التسمية لا تليق برواتبنا نحن «الموظفون في الأرض»، إلا من رحم ربي وكان من العاملين في قطاعات بعينها، فنحن اثنان لا ثالث لهما، إما عايش على وش الفتة أو مدفون في الديون.. والسلام ختام.

الجريدة الرسمية