رئيس التحرير
عصام كامل

حكايات العائدين من الحياة

لا داعي للخوف، فالموت هو أحد أشكال الحياة، أو لنقل إنه بوابة العبور إلى الخلود.. وها نحن سكان الأبدية نستقبل العائدين من الحياة ليقصوا علينا بعضا من حكاياتهم العجيبة..

الحكاية الأولى: الشيخ عبدالعظيم

 

على أطراف بلدتنا الصغيرة، يقبع ضريح الشيخ الغريب، يقال إنه كان أحد الصالحين، قدم إلى هنا ومات، فبنوا حول قبره بناء تعلوه قبة خضراء، ثم سرعان ما توافد على زيارته أهل القرية والقرى المجاورة طلبا للبركة في الرزق والعيال أو أملا في فك الأعمال السفلية وما إلى ذلك من أمور يؤمن بها من يعيشون في تلك البقعة النائية عن جل مظاهر المدنية.

وفي كل عام كانت الخيام تنصب، والألعاب والمراجيح تزرع حول الضريح، ويسمى مولد الغريب، وكان بإمكانك وبكل سهولة أن تجد باعة الترمس والفول النابت وبعض الحلوى، إضافة إلى الغجر القادمين صحبة ماشيتهم والقرود المدربة التي تشرب الكوكاكولا وتدخن السجائر، وأناس آخرون يستعرضون فنونهم وحيلهم.

ومن بين كل هؤلاء تأثرت في طفولتي بالشيخ عبدالعظيم، الذي كان يرتدي الأبيض دوما ويضع على رأسه طاقية وعمامة خضراء، يتبعه نفر ليس بالقليل، يقولون إنهم يتبعون طريقة صوفية لا أذكر اسمها. كان الشيخ عبدالعظيم رجلا بوجه طيب، لحيته بيضاء وطويلة، دائم التمتمة بكلمات غير مفهومة، ومن وقت لآخر يعقد حلقات الذكر، فتجد الناس من حوله يطوحون رؤوسهم وأذرعتهم يمينا ويسارا وهم يرددون «الله.. الله.. الله».

 

ولفت نظري في الشيخ عبدالعظيم، أنه كان حريصا في موعد كل صلاة على أن يرفع الأذان بصوته الجميل، ثم سرعان ما يجلس على الحصير دون أن يصلي. لم أحتفظ بصبري كثيرا، إذ سألته مرة عن سر عدم صلاته رغم أنه رجل تقي مليح الوجه وحريص على رفع الأذان وترديد الأذكار، فقال لي: ألم تسمع قول الله ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).. يا بني لقد آتاني اليقين!!

ترددت كثيرا قبل أن أرد عليه: لكن يا شيخ لقد سمعت أحدهم في التلفزيون يقول إن اليقين في هذه الآية يعني (الموت).. فجأة اصفر وجه الشيخ عبدالعظيم، ثم ذم شفتيه، وأشارح بيده كي ابتعد، وراح يتمتم بكلمات لم أسمع منها سوى (تلفزيون.. الله يلعنكم).

قمت من على الحصيرة، وأنا أتابع تطويح الشيخ عبدالعظيم لرأسه وذراعيه وهو يهتف مغمض العينين (الله.. الله.. الله)، وذهبت في طريقي قاصدا لعبة النيشان لعلي أفوز بجولة أفرقع فيها البمب ببندقية الرش الصدئة وأحصل على أرجوز من الخشب والقماش في يديه صاجات تصدر صوتا مليحا كلما ضغطت على بطنه.

 الحكاية الثانية: المرأة التمثال

قبل مئات السنين، كانت هناك جزيرة، تلفها المياه لكنها لم تشهد أي من أشكال الحياة، فلا نبتة خرجت من أرضها القاحلة ولا طائر حط عليها ولا حشرة نخرت صخرة من صخورها، فقط رجل وحيد تحطمت سفينته ولفظته المياه.

في الليلة الأولى بحث الرجل عن شيء يأكله فلم يجد، أو شيئا يستره فلم يجد أو شربة ماء تطفئ نيران عطشه فلم يجد، غير أنه لم ييأس، فأغمض عينه مفترشا الأرض وملتحفا بالسماء.. وفي أثناء نومه، أطل القمر، فسأل البحر عن حكاية ذلك الرجل النائم، ثم شاركتهما الرياح، وانتهى بهم الأمر أن قرروا التلاعب به.

القمر أرشدهما إلى صخرة قريبة، فزحزحتها الرياح حتى الشاطئ، ثم أخذت الأمواج تنحتها إلى أن صارت الصخرة امرأة غاية في الجمال. استيقظ الرجل فوجد تمثال المرأة، الذي يكاد ينبض بالحياة، ففرح كطفل تائه عاد لحضن أمه، وحينها قرر أن يستقرب المكان إلى أن تمر سفينة فتأخذه إلى العمار.

أحضر الرجل صخرة صغيرة، فجوفها بنصل صخرة أخرى حاد، ليصنع منها طبقا عبئه بماء البحر ووضعه تحت آشعة الشمس وغطاه بصخرة أخرى مسطحة، وراح يرتشف قطرات الماء المتراكمة على الصخرة المسطحة بفعل بخار الماء.. رشفة له وأخرى يمسح بها فم تمثال المرأة.

وحين اشتد به الجوع، نزل الرجل عمق البحر واصطاد سمكة كبيرة، فشق بطنها ونظفها وتبلها بماء البحر المالح وتركها تحت الشمس حتى نضجت، ثم أكل نصفها ومنح تمثال المرأة نصفا. وظل الحال هكذا يوما بعد يوم، كان الرجل يبخر الماء ويصطاد السمك صباحا، ويقضي الليل في حضن تمثال المرأة يحكي لها قصصا عن الحياة في قريته الصغيرة.

لم تعد تمثالا

مرت شهور ولم تمر سفينة، لكن الرجل لم ييأس أبدا ولم يمل، خاصة وأن المرأة التمثال بدأت تهز رأسها وهو يحي لها، وظن في البداية أن تلك الإيماءت ربما تكون بفعل الرياح. وبمرور الزمن، باتت المرأة التمثال تزيد من استجاباتها لما يحكيه الرجل، ولم يعد الأمر مجرد إيماءة من رأسها، فقد بدت في عينها لمعة ظنها في البداية أنها انعكاس لضوء القمر.

حول التمثال بزغت بعض النباتات، تلك التي حملتها الرياح إلى الجزيرة، وطالتها مياه البحر المقطرة، ثم بدأت الطيور تتوافد قرب التمثال لتقاسم الرجل في أوراق النباتات وثمارها. وفي أحد المساءات، لف الرجل حول عنق المرأة التمثال عقدا صنعه من الأحجار الصغيرة الملونة التي جمعها من الشاطئ. والمدهش أنه بمجرد أن وضع العقد حول جيدها، تبسمت المرأة، التي لم تعد تمثالا، فقد بدأت تبادل الرجل الحديث في أمسياتهما الممتدة.

وفي أحد الصباحات، استيقظ الرجل فوجد امرأته، التي كانت تمثالا، قد صنعت له فطورا من خبز القمح الذي نبت في الأرض. كانت تلك هي المرة الأولى التي يأكل فيها الرجل خبزا منذ حط على الجزيرة قبل عشرات السنين. تعاقبت الفصول، وجفت النباتات، بيد أن الرجل وامرأته كانا قد احتفظا بوافر البذور، وجففا بعض الثمار، ما أمن لهما ولطيورهما الغذاء الكافي، ثم أخذا سيقان النباتات الجافة وشيدا منها بيتا صغيرا. وهذا المساء، جلست المرأة ورجلها يفكران من منهما منح الآخر الحياة، بينما كان القمر والرياح والبحر يبحثون عن لعبة أخرى.

الجريدة الرسمية