رئيس التحرير
عصام كامل

فضل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله؛ وبعد..
فإن من الكلام ما هو حلو مذاقه، جميل ذكره، يستطيبه اللسان، وتتلهف لذكره الأسماع، وتثلج به الصدور، هو مأمنها وراحُها. وعند ذكر بيت الله الحرام، ومستقر رسوله صلى الله عليه وسلم ترتجف القلوب وجْدًا وشَوقًا لزيارةٍ تُسْكِن القلوب، وتبعث الأرواح بعثًا جديدًا يغسلها من أدران الذنوب والآثام، ويعينها على مشاق الحياة، وتستعيد بها خلقها الأول من طيف ربَّاني لا ينتمي لثقل الدنيا وأكدارها؛ فتعود من رحلتها خفيفة نشطة محتسبة ما تلقاه في دنياها لمولاها، واعيةً بدورها ومدة إقامتها المحدودة في هذه الحياة الدنيا؛ فلا تعبأ بما تلقاه في سبيل رضاه، توَّاقة لحياة أبدية تنسمت من عبير شذاها خلال رحلتها لبقعة من سَمَاهَا.


وكيف لا تطيب بقعة ضمَّت أطهر أَعْظُمٍ، وخطا عليها أشرف خلق الله. سماها المولى عز وجل بالبلد الأمين لما يجده المسلم فيها من أمن نفسه وروحه. تهفو إليها القلوب، وتتوق الأرواح إلى زيارة تروي ظمأها، وتلم شعثها، وتغتسل بها النفوس من الهموم والآثام، رحلة روحية، يخلو فيها العبد بربه في أشرف بيت وضع للناس في الأرض، في بقعة طيبة مباركة، هي من رحمة الله بأرواحنا؛ فجعل لها مَعِينًا من جنته تنهل منه زادًا يقربها إليه سبحانه.

فكما اصطفي عز وجل من عباده ما شاء، ومن الأزمنة ما شاء؛ كذلك اصطفي من الأمكنة ما شاء، وخصها بما ليس في غيرها، فاصطفى البلد الحرام، وجعلها أمنًا ومثابة للأرواح التائهة في شعاب الحياة؛ قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125] فإذا وصلت النفوس لبابه حطت رحالها، واغتسلت من أدرانها، وتضلَّعت من معين الثواب المضاعف، حتى امتلئت راحة وسكينة، وتذكرت حقيقة خلقها وكونها مملوكة لله تأتمر بأوامره في خفة ورضا، وتنتهي عن نواهية في قوة وجلد.

فضل البلد الحرام
وينظر المولى عز وجل إلى عبده الذي أتى إليه لا يريد سواه فيغفر له؛ فمن ذهب إلى ملك الملوك في بيته أحسن ضيافته، وكان حقا على المولى أن يكرمه كرمًا يليق بجلاله، فجعل الحج لبيته مكفرًا للذنوب، حتى أن المرء يرجع منه نقيًّا كيوم ولدته أمه، وجعل الصلاة في بيته الحرام مضاعفة الأجر، وكذلك في مسجد نبيه صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه: «صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ».[ متفق عليه]

وبعد ترحال بين مشاعرها وشعائرها، ما بين سعي ووقوف وطواف، تحين لحظة الوداع، فيغادرها العبد مشتاقًا للعودة، وقد ملئت قلبه، وأخذت لُبَّه، وأَسَرَتْ عليه نفسه، مستحضرًا قول النبي صلى الله عليه وسلم في وداعها: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».[ أخرجه الترمذي: 3925]

فيشده قلبه قبلتها ليصلي إليها، وكيف لا وهي قبلة ارتضاها لنا المولى عز وجل لِمَا عَلِمَ من شوق النبي صلى الله عليه وسلم إليها؛ فولاه قِبْلَتها مصداقًا لقوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } [البقرة: 144]

سماها الله طيبة
حتى إذا ارتوت روحه من مكة رحل إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومستقر جسده الشريف، حتى إذا وطئت أقدامه مواضع قدمه الشريفة صلى الله عليه وسلم طارت شوقًا إليه، ومحبة له ويكأن أرضها تحتضن أقدام زائريه؛ فتأسر قلوبهم فلم تغادر أرضه. وتلهفت نفسه لروضته الشريفة، جنة الله في أرضه التي قال عنها نبينا صلى الله عليه وسلم:«مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» [ أخرجه البخاري: 7335]..

والتي جُعلت أمانًا بدعاء نبينا صلى الله عليه وسلم؛ كما أمَّن إبراهيم عليه السلام مكة والحرم، واستجاب له ربه فضلًا إكرامًا؛ فقال صلى الله عليه وسلم :«إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا»، وَقَالَ: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».[ أخرجه مسلم: 1363]

ودعا لها النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة الخير والبركة؛ فقال: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ، وصَحِّحْهَا، وبَارِكْ لَنَا في صَاعِهَا ومُدِّهَا، وانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بالجُحْفَةِ».[ متفق عليه] واستجاب الله دعاء نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمدينة، وجعلها بلدًا طيبًا، وسماها طيبة، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَالْمَدِينَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ سَمَّاهَا طَيْبَةَ». [رواه أحمد: 20899]

فهي طيبة يطيب رزقها وتطيب سكناها، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: « إِنَّهَا طَيْبَةُ -يَعْنِي الْمَدِينَةَ-، وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ ».[متفق عليه]

سَتظلّ طيبةُ ما بقيتَ بجوفها         رَوحاً وريحاناً وطُهراً باقيا
‏ويظلُّمسجدُكَ الذي أسـستَهُ         بالرغمِ ممن جاءَ بعدَكَ خاليا
‏صلّى عليكَ الوحيُّأنتَ حملتَهُ       غضاً طرياً للبريةِ صافيا
‏شمسُ الحياةِ بغيرِ هَديكَ عُتمةٌ     والكونُ دونكَ لو تعمّرَ خاويا
‏فيا رب امنُن علينا بزيارة لبيتك الحرام تلم بها شعثنا وتداوي بها قلوبنا ونولد بها ميلادا جديدا يرضيك عنها. وصلِّ اللَّهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى بقعة ضمَّت أعظُمه الشريفة إلى يوم الدين.
الجريدة الرسمية