رئيس التحرير
عصام كامل

عاطف فاروق يكتب: التأديبية العليا تحدد أسباب بطلان التحقيق مع المتهمين

عاطف فاروق
عاطف فاروق

أرست المحكمة التأديبية العليا بمجلس الدولة مبدأ قانونيا مهما بشأن إجراءات وضوابط التحقيق مع المتهمين، وهو مبدأ المواجهة بالاتهام وتحقيق دفاع المتهم على نحو يوضح بجلاء مدى مسئوليته عن المخالفة، وبغير هذا المبدأ يكون التحقيق باطلاً لا يمكن أن يرتب أثراً في توقيع الجزاء على المتهم.


وشددت المحكمة على أن المستقر عليه قانونًا أنه يجب إحاطة المتهم بالمخالفة المنسوبة إليه وإحاطته أيضًا بمختلف الأدلة التي يقوم عليها الاتهام وذلك حتى يستطيع الدفاع عن نفسه، وأن يكون ما يوجه للمتهم من اتهامات ثابتة قبله في الأوراق والمستندات وأقوال الشهود، ومن ضمانات التحقيق أيضًا تحقيق ما يبديه المتهم من أوجه دفاع وتفنيدها ثم إعادة مواجهته بما يسفر عنه تحقيق دفاعه من بطلان أسانيده وأدلته، وبغير هذا لا يمكن الوصول إلي الحقيقة من خلال تحقيق مستكمل الأركان.

تفاصيل أكبر فساد مالي وإداري للتلاعب في مناقصة تطوير مستشفى حكومي

جاء ذلك عبر أسباب حكم قضائي مهم أصدرته المحكمة التأديبية العليا في القضية رقم 11 لسنة 62 قضائية برئاسة المستشار حاتم محمد داود، نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة وعضوية المستشارين أدهم لطفي عوض ومحمد أبو العيون مهران، نائبي رئيس مجلس الدولة بحضور المستشار فوزي عبد الهادي ممثل النيابة الإدارية وأمانة سر محمد حسن عبد المقصود.

وكانت تحقيقات إدارة التفتيش الفني على الإدارات القانونية بوزارة العدل نسبت إلى خالد محمد سمير، المحامي بقطاع الأمن ومحمد مدحت علي، مدير عام التحقيقات بالقطاع عدم أدائهما العمل المنوط بهما بدقة ومخالفتهما القواعد والتعليمات المقررة، وأرتكابهما مخالفات قانونية وإدارية جسيمة. 


أكدت المحكمة اطلاعها علي الشكوى المقدمة من الشاكي ضد رئيس الإدارة المركزية للشئون المالية والإدارية بالهيئة الوطنية للإعلام والتي حققها المحال الأول؛ وتبين للمحكمة من خلال إحاطتها بالشكوى أنه قام بتوجيه اتهامات صريحة وواضحة ضد المشكو في حقه حال قيام المحال بسماع أقواله حيث اتهمه صراحة بأنه يريد نقله من مقر عمله مجاملة لبعض العاملين المذكورين بالتحقيق، وانه كان علي علم بما حدث له من أضرار نتيجة الخلافات القائمة بينه وبين مدير المشتريات

كما استطرد الشاكي في التحقيقات وذكر أن المشكو في حقه يريد نقله نقلا تعسفيًا ظلمًا له؛ وتبين للمحكمة أن المحقق قبل ان يتبين من صحة إدعاء الشاكي من عدمه قام بتوجيه اتهامات له بالخروج على مقتضى الواجب الوظيفي باتهام رؤسائه والادعاء كذباً عليهم الأمر الذي حدا بالمشكو في حقه إلى الإجابة عن هذه الاتهامات انه لم يدع كذبا علي المشكو في حقه وإنما أراد القول بأنه كان علي علم بكل من حدث ويحدث له.

 ويبين ذلك أن المحال خالف الأصول الفنية في التحقيق والتي توجب عليه أن يمكن الشاكي من الإدلاء بأقواله في حرية تامة دون ترهيب أو ترغيب، وأن يمكنه من تقديم سند تلك الأقوال والاستعانة يما يرى سماعه من الشهود، وألا يسلط عليه الاتهامات حال كونه شاكيًا من مظلمة تعرض لها، دفعته إلى ولوج الطريق القانوني لدرأ هذه المظلمة، فضلا عما تبين للمحكمة من أن المحال اجتزأ أقوال الشاكي من سياقها لينحرف بالتحقيق عن الحق باعتبار ان الشاكي لم يقصد الا من شكواه إلا العلم والاحاطة وينتهي الى حفظ الشكوى. وبذلك فإن هذا المسلك من المحال يؤكد ارتكابه للمخالفة المنسوبة إليه، ومخالفة للأصول الفنية المستقر عليها عند إجراء التحقيقات، وعدم مراعاة للدقة والأمانة فى مباشرة أعمال وظيفته. 


وبشأن المخالفة المنسوبة للمحال الثاني والمتمثلة في أنه اعتمد الرأي القانوني المعد في التحقيق الإداري رقم 207 لسنة 2018 حال ما شابه من قصور، وقام بالتأشير علي مذكرة الرأي في هذا التحقيق بتأِشيرة مؤداها اعتراف الشاكي بشكواه علي رئيس الإدارة المركزية للشئون المالية والإدارية بوقائع علي خلاف الحقيقة ورغم أن الأوراق قد جاءت خالية من ثمة دليل مادي على ما ادعاه في هذا الشأن. 

فإن البين من مطالعة التحقيق أن المحقق لم يقم بمواجهة المحال الثاني بالمخالفة الواردة بتقرير الاتهام وإنما قام بمواجهته بمخالفة تمثلت في قيامه بسحب الملف الخاص بالشاكي وإرساله الى الادارة المركزية للشئون القانونية، كما تضمن التحقيق مواجهته بما ادعاه الشاكي عليه من رفضه إعطاءه أي معلومات وبيانات عن الشكوى المقدمة منه والخاصة بتزوير توقيعه، ولم يتم مواجهته بالمخالفة الواردة بتقرير الاتهام خلافا للمستقر عليه قانونا من أن من حقوق الدفاع للمتهم أنه يجب إحاطته بالمخالفة المنسوبة إليه والأدلة التي يقوم عليها الاتهام حتى يستطيع الدفاع عن نفسه فيما هو منسوب إليه.


ومن ضمانات التحقيق أيضاً تحقيق ما يبديه المتهم من أوجه دفاع وتفنيدها ثم إعادة مواجهته بما يسفر عنه تحقيق دفاعه من بطلان أسانيده وأدلته وبغير هذا لا يمكن الوصول إلى الحقيقة من خلال تحقيق مستكمل الأركان. وأن التحقيق الإداري لا يكون مستكملاً لمقوماته الموضوعية بغير توافر مبدأين أساسيين: أولهما مبدأ المواجهة بالاتهام، وثانيهما تحقيق دفاع المتهم على نحو يوضح بجلاء مدى مسئوليته عن المخالفة، وبغير هذين المبدأين أو أحدهما يغدو التحقيق باطلاً لا يمكن أن يرتب أثراً في توقيع الجزاء على المتهم.

وأصبح من الثابت يقينًا للمحكمة أن إدارة التفتيش الفني بوزارة العدل لم تحقق مع المحال الثانى فى المخالفة التى اسندتها إليه، وإنما قامت بالتحقيق معه ومواجهته وسماع أقواله بشأن مخالفات أخرى، وبذلك فإن هذا التحقيق  يكون غير مستكمل الأركان مفتقداً لمقوماته الأساسية، إذ لم يتم إحاطة المحال علمًا بالوقائع والمخالفات المنسوبة إليه، ولم يتم سماع أقواله وتحقيق أوجه دفاعه بشأنها، الأمر الذى يعد اهدارًا لضمانة أساسية من ضمانات المساءلة التأديبية بما يترتب عليه بطلان التحقيق الذى أجري مع المحال الثاني، وانتهت المحكمة بمجازاة المحال الأول خالد محمد سمير بخصم أجر خمسة أيام من راتبه،  وبعدم قبول الدعوى التأديبية قبل المحال الثاني محمد مدحت علي.
الجريدة الرسمية