أحمد ممدوح يكتب: محاولة لإجراء محادثة "طبيعية" مع محيي إسماعيل
يعجبني محيي إسماعيل.. ليس كفنان لأني لا أفهم تمثيله، لكن هذا الذي يظهر ضيفا في البرامج، اطلاعه الواسع، لغته المنضبطة، خفة ظله وسرعة بديهته، شخصيته العبثية التي يطل بها، جميعها عوامل تجعلني أرشحه كمذيع استثنائي يمكن أن يقدم للجمهور تجربة جيدة يستمتعون ويستفيدون منها أيضا، دون إسفاف.
الظهور الكثيف لمحيي إسماعيل مؤخرا بعد تصدره "التريند" يدلل على رجل "عطشان" للظهور، يعاني من العزلة التي فرضها على نفسه أولا قبل أن تفرض عليه، ظن حتى نهاية العمر أن الفرصة قادمة وأن من يقدرون موهبته سيطرقون بابه متأسفين أولا عن تجاهلهم لتلك الموهبة الفذة، وعارضين ثانيا للمال والأدوار الاستثنائية التي يحلم بها في عقله، لكن هذا لم يحدث ولن يحدث طالما ظل حبيس في منزله ينظر على كل شيء ويفلسف كل شيء ولا يقتنع أن الحياة فيها كثير من البساطة بحيث يمكن أن تعاش دون تعقيد.
شخصيا لم تجذبني الأدوار التي جسدها محيي إسماعيل في السينما، ويدعي هو تقديمها بعبقرية استثنائية، ربما لم أفهمه، طريقة أدائه مبالغ فيها كثيرا من وجهة نظري، ولا أعرف لماذا لم يظهر في أدوار تعكس طبيعته التي يطل بها في البرامج والحوارات الصحفية والكفيلة أن تجعلني أشاهده لساعات دون ملل، لو حافظ على طبيعته تلك ربما لوصل إلى أعلى سلالم المجد الحقيقي، وليس مجد السايكو دراما الذي لا يفهمه الناس، والحقيقة أن أي شخص يجب أن يقدم للناس ما يفهمونه ويمس مشاعرهم حتى يصنفوه نجما، خاصة إذا كان هذا الشخص فنانا هدفه الأساسي التفاعل مع الجماهير.
مؤخرا جمعتني مكالمة هاتفية بمحيي إسماعيل بعد أن تربع أعلى مؤشرات البحث من خلال فيديو مدته أقل من دقيقة أعاده للحياة مرة أخرى، ودفع الناس للنبش وراء حواراته في وسائل الإعلام والتي يتقمص فيها شخصية غير طبيعية، مصطعنة بالكامل لكنها لذيذة.
هاتفت محيي محاولا أن أتحدث معه بعيدا عن الحركات العجيبة والكلام الغريب الذي يصطنعه كما قالت ابنة أخيه أمل فايق في منشور لها على فيس بوك، حصلت على الرقم من زميلي خالد شاهين الذي جمعه بمحيي موقف غريب قبل سنوات يرويه في حلقة مقبلة من برنامجه الفني "تعالى أقولك"
بداية تفاءلت بالحديث لأني وجدته رجلا سريع الرد على الهاتف عكس أغلب النجوم الكبار، وهو دليل ولو بسيط على التواضع، جرس والثاني وتجد صوته المميز عابرا إلى أذنك، وبعد التعريف بشخصي وترحيبه بي بنبرة متعالية وصوت مرتفع بعض الشيء يحاول من خلالهما اتباع تكتيك نفسي يدخل في نفسك شيئا من الرهبة للسيطرة على دفة الحوار، بدأت في سؤاله عن رأيه في تربعه على عرش اهتمامات الشباب خلال الأيام الماضية، وما سببه، وهل يعرف ما هو "التريند"؟
إجابة محيي كانت محملة بالكثير بالكبرياء كما توقعتها وقال: تريند!! لا أعرفه بالطبع، لكن اهتمام الشباب جميعا بلا استثناء بي هو رد على حالة التعتيم الكبيرة التي تعرضت لها من الإعلام على أعمالي العظيمة وأدواري الاستثنائية لأسباب لا أعرفها بعد أن خضت مسيرة طويلة قاسية اخترت فيها كل عمل بعناية كبيرة، وسيستمر هذا الزخم حولي إلى الأبد، لأن اليوم يعلم الشباب من هو محيي إسماعيل وعلموا من هو قيصر السينما المصرية وملك السايكو دراما.
واجهت محيي إسماعيل برأي صلاح جاهين فيه بأحد اللقاءات التي جمعتهم على شاشة التليفزيون المصري قبل 43 سنة، ووقتها قال جاهين: إن محيي لا يصلح أن يكون بطلا سينمائيا وصاحب أدوار أولى، لعدة اعتبارات تتعلق بشخصيته الغريبة وحجم أنفه وشكل حاجبيه المتضادين، اشتعل شيء من الغضب داخل محيي بسبب سؤالي، وهو سؤال طبيعي أحاول من خلاله استكشاف سبب غيابه الدائم عن التمثيل حتى في أدوار ثانوية كأغلب أعماله السابقة، وأجاب بصوت مرتفع: هل هذا هو كل ما لفت نظرك!!، إن التركيز على هذه النقطة من الحوار أمر خاطئ جدا؛ لأن في نفس الحوار وجه صلاح جاهين لي اللوم لرفضي أحد الأدوار المهمة في عمل كان يكتبه، رغم أن ثروتي وقتها لم تكن أكثر من 20 جنيها، وهو ما يفسر بحثي الدائم عن القيمة وتبني فلسفة الاستغناء تجاه أي شيء يخالف قناعاتي وأفكاري، وإيماني أن الرزق بيد الله وحده، لذلك أنا لست مجبرا على تقديم أي عمل لا يليق بي.
تجاوزنا هذه الغضبة شبه المكتومة وتوجهنا إلى غضبة أكبر أنهت الحوار بيننا، عندما واجهته بأن 24 فيلما و14 مسلسلا وبضع مسرحيات في مسيرة بدأت قبل 50 عاما هو رقم لا يليق برجل في إمكاناته التمثيلية الكبيرة، وكيف لم يعرض عليه طوال تلك المسيرة طويلة السنوات قليلة الإنجاز أي أعمال فنية أخرى تتوافق مع رؤيته وفلسفته.
هنا كانت غضبة محيي الأخيرة وقال: كيف تقول ذلك؟.. واضح أنك لا تعرف أعمالي ولا تاريخي أو ماذا قدمت للسينما المصرية وكيف أضفت لفن التمثيل بعدا جديدا، ذاكر تاريخي أولا لتعلم أني قدمت مسيرة عظيمة، ثم يمكننا التحدث، فأنا الآن أحظى باحتفاء كبير من الشباب لن ينتهي وسيستمر نتيجة شقائي في مسيرتي الفنية، وسيعقب حواري معك 120 حوارا آخر؛ لأن الجميع علم قدر محيي إسماعيل.
حاولت تهدأته لاستكمال الحديث لكنه أصر على إنهاء الحوار دون نقاش، لكن لم يفوت في نهايته أن يردد جملة "التريند" التي أعادته للظهور مرة أخرى "اللي بعده" وأغلقنا الهاتف، وأنا أشعر بالغرابة من رجل قادر على تقديم الكثير لكنه يصر على وضع نفسه في قالب يجعله جليس المنزل بشكل دائم.
