رئيس التحرير
عصام كامل

عفوا أيها الطاووس


قارئ سطوري سيتذمر، كيف لي أن أتصور أن تلك المرأة التابعة الضعيفة منه ستتحرر، وإن كانت منذ البدء لم تكن عبدة مملوكة لك أيها الرجل الشرقي.. كيف يمكنها أن تعيش بلا ظله، بلا تبعية له، بلا احتياج أيا كان نوعه لوجوده، بلا سطوته، بلا أوامره، بلا قيوده، ولنختصر كيف يكون لها كيان بدونه!


يواجه الرجل الشرقي تغيرات مجتمعية قد لا يقبلها، ولكنه يحاول التعامل معها تارة بقبول مؤقت، وتارة أخرى برفض حاد لتبعاتها المنصبة عليه..

تحررت المرأة بنسبة كبيرة من تبعيتها للرجل في وقتنا الحاضر، فأصبحت تعمل لتكمل دراستها في ظل ضعف إمكانيات الأب المالية مثلا، وأصبحت معيلة لأسرتها في عدم وجود الزوج كما نجد في حالات المطلقة والأرملة، كما أنها قد تكون المسئولة عن الأسرة في ظل سفر الزوج للعمل في دولة أخرى، بل من الشائع أن نجدها مسئولة عن تربية الأولاد مسئولية كاملة على الرغم من وجود الأب في نفس المنزل، تعودا منه أنها مهام الأم، أو تقاعسا منه لظنه أنه مسئول عن المورد المادي فقط للأسرة، فلا يملك الوقت والجهد للأولاد، فأصبحت الأم هي المسئولة عن تحسين دخل الأسرة "إن كانت عاملة"، وتربية الأولاد وتنشئتهم ورعايتهم وخدمتهم أيضا!

نجدها في معظم الحالات إن لم يكن جميعها هي مسئولة عن نفسها وعن أسرتها إما بالمسئولية المادية أو المسئولية الاجتماعية، مما يجعل وجود الرجل مكملا للشكل العام للأسرة، أو مطلبا مجتمعيا ضاغطا عليها من مجتمع يرفض المرأة العزباء بتقاليد ذكورية لم يتبق منها سوى الضغوط بعد أن انعدمت واقعية وجود الرجل المسئول عنها ماديا ومجتمعيا وأسريا.

فمن الملاحظ مؤخرا عزوف الكثير من الفتيات عن الزواج، وظهور مصطلح.. “strong independent woman“، مصطلح انتشر بشكل مقلق في العالم الشرقي، المتحفظ على حرية المرأة، المقيد لحقوقها، الوصي على تصرفاتها، النابذ لأي تغيير بها قد يهدد عرش سلطة الرجل عليها، الحاكم بشكل مطلق لعالمها، تحت فكرة منغلقة وهي أنها تابعة له تحت مظلة دينية في معظم الوقت "الرجال قوامون على النساء" مثلا، أو تسللا من خلال العرف والتقاليد الشرقية البالية احيانا..

عودة للمصطلح.. ولنترجمه على الواقع، بفتاة تخرجت في الجامعة، وتعمل في وظيفة تكفل لها حياة كريمة، وتمكنها من إعالة نفسها وتوفير كل احتياجاتها من مأكل وملبس وعلاج ورفاهية وسفر.. إلخ

كيف لك عزيزي الشرقي أن تقنعها أنها يجب أن تتزوج، وتعول أسرة مع زوجها بالمال والجهد، مكتفية بظل رجل في مجتمع متنمر للمرأة الوحيدة!.. وكيف لنا أن نقيد استقلاليتها المادية، ومكانتها الوظيفية، وشكلها الاجتماعي المنفرد بها، نقيده بزوج يحدد لها نمط حياتها الذي يناسبه، وأسلوب تعاملها مع الآخرين بما يريحه، ونجبرها على الاعتناء بأسرة كاملة من أطفال ووالدهم، دون أدنى مساعدة منه..

متعللا بعرف مجتمع أنه يجب أن نشكره أنه دعها تعمل، وأنها بما تجنيه من راتب يجب أن تقدمه للأسرة مقابل موافقته لها أن تعمل، ثم تربي أولادها منفردة وتدرسهم وترعاهم في مختلف احتياجاتهم وأنشطتهم، وتخدمهم هم ووالدهم.. ذلك المؤمن بطبعه، المقتنع تماما أن زوجته بحكم الدين أصبحت جاريته!

المرأة المستقلة أصبحت حرة في عالم مليء بالتناقضات، حيث إنه يرفض حريتها، برغم أنه يقبل أن تعول ولكن لا تتحكم، تربي ولا تكون مسئولة، تنشئ جيلا ولا تستلم قيادته، فالزوج يقبل أن يأخذ راتبها، ولا يقبل أن تتصرف في مالها كيفما يناسبها، يرضى أن يحملها جهد تربية الأبناء ولا يقبل أن تكون صاحبة القرار في حياتهم، أن تخرج للعمل ولا تسافر إلا بإذنه!

ولو تعمقنا في رفض الرجل الشرقي لتلك المرأة المستقلة، سنجد إحساسه أن قوة شخصيتها سوف تؤثر سلبا على شخصيته، وأنه لن يتمكن من إحكام سيطرته عليها بحكم عدم احتياجها الكلي له، وأنها أصبحت له ندا في الفكر والقرار مما يخلق بينهما صراع لا تبعية وسكون، وأنها لن ترضخ لنزواته ولن تقبل أن يتلاعب بها وبمشاعرها وبإمكانها الاستغناء عنه لو شعرت بالمهانة معه، عكس ما كان شائعا مع المرأة في الماضي، من تحمل للرجل "سي السيد"، خوفا من عدم وجود عائل لها من بعده.

ونعود لمصطلح المرأة القوية المستقلة التي ترفض الارتباط خوفا منها على استقلاليتها وحريتها، هل هي مخطئة أم تعتنق فكرا أجنبيا دخيلا على مجتمعنا الشرقي!

وكيف لنا أن نؤمن لها بيئة اجتماعية تقدرها وتعطيها مكانتها كشريك في المسئولية والقيادة، لا مجرد تابعة وضلع أعوج لطاووس شرقي!
الجريدة الرسمية