رئيس التحرير
عصام كامل

السلام الجمهوري والسلام المربع في وزارة الصحة


قررت وزيرة الصحة إذاعة السلام الجمهوري صباحا في المستشفيات والوحدات الصحية وغيرها من المنشآت التابعة للوزارة، ووزعت الوزارة قرار إذاعة السلام الجمهوري ثم يعقبه قسم الأطباء على مستشفيات الجمهورية، مؤكدة على ضرورة تنفيذه، وجاء بالقرار الذي حمل توقيع الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة:


"إيمانا منا بالدور المهم الذي تقوم به المنشآت الصحية في خدمة مصرنا الغالية وما يتوجب علينا جميعا أن تسهم إسهاما فاعلًا بما يتفق مع قيمنا وتوجهاتنا، وفي هذا القرار وتنفيذًا للتوجهات الحالية في هذا الشأن، فعلى جميع المنشآت الصحية التي بها إذاعة داخلية إذاعة السلام الجمهوري يوميا الساعة الثامنة صباحًا بجميع المستشفيات والوحدات الصحية على أن يتبع ذلك قسم الأطباء".

وذكر الدكتور خالد مجاهد، المتحدث باسم وزارة الصحة، أن قرار الوزيرة بشأن إذاعة السلام الوطني داخل المستشفيات جاء لتعزيز قيم الانتماء وتذكير الأطباء بالمبادئ الإنسانية المنصوص عليها في القسم، لافتًا إلى أن هذا القرار جاء لمصلحة الأطباء.

وطبعا أعقب ذلك القرار زوبعة كبيرة من الرفض والسخرية والاستهزاء من ذلك القرار، لكننا في ذلك المجال لا يجب أن نخلط الأوراق بعضها بالبعض، فالقرار صائب –من وجهة نظرنا المتواضعة– عله يثير في نفوس بعض الأطباء الحمية والانتماء، ويذكرهم بالقسم الذي أقسموه على رعاية المرضى، والتضحية من أجلهم، فيجعلهم ذلك الأمر الذي يذاع صباحا، وقبل بداية العملية الصحية، يعملون باجتهاد وفي سبيل صحة المرضى بالفعل..

ويذكرهم بحق مصر عليهم، وأنها الوطن الذي جعلهم أطباء يشمخون بأنوفهم عليه، ويتيهون فخرا على أبنائه من الفقراء والبسطاء، ويتعاملون مع المرضى الفقراء على أنهم عبيد إحسانهم، وأنهم – أي المرضى – من طبقة دونية أخرى غير تلك الطبقة التي ينتمي إليها حضرات السادة الأطباء، فلا تجد من جانبهم سوى إعراض عن المرضى، وإذا دعتهم الظروف السيئة للتحدث معهم كان حديثهم حديث المتكبر المتجبِّر للفقير المسكين.

فقد يشعرهم ذلك السلام الجمهوري والقسم أنهم بشر أيضا مثل هؤلاء الذين ابتلاهم القدر بمعالجتهم، وأنهم مسئولون عنهم يوم القيامة أمام الله الواحد القهار الذي يتساوى عنده الفقير والغني، والعظيم والحقير، وأنه سينتقم من كل متكبر كما جاء في حديث أبي هريرة الذي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قال الله عز وجل : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار)..

فيجعلهم ذلك السلام الجمهوري والقسم يتفكرون في أنفسهم، وأنه لا سبب يجعلهم يتعاملون مع الفقراء من المرضى، خاصة في المستشفيات والوحدات الصحية الحكومية، على أنهم من طينة أخرى غير تلك التي خُلق منها هؤلاء الأطباء، وقد يرقق ذلك السلام والقسم من مشاعرهم، ويحثهم على أداء الواجب، فيُبادرون إلى علاج المرضى الفقراء بكل حب وأريحية، ويتحدثون معهم على أنهم أشقاء لهم في الإنسانية ابتلاهم الله بالمرض، وهو القادر على أن يبتلي مثل هؤلاء الأطباء بأشد من مرض مرضاهم، ويبثون في أنفسهم الأمل في الشفاء، ويراعون ضمائرهم في الكشف والعلاج دون أن ينتظروا من المرضى أن يتفقوا معهم على الذهاب لعيادتهم الخاصة.

وقد يجعلهم السلام الوطني والقسم يذهبون في أوقاتهم لأماكن أعمالهم ولا يتأخرون بالساعات والمرضى يعانون، أو ينصرفون مبكرين إلى عيادتهم الخاصة والمرضى يملأون جنبات المستشفيات في انتظار من يخفف عنهم الألم دون فائدة، وإذا خاطب أحد المرضى الذي يقتله الألم الطبيب وهو منصرف إلى عيادته أو منزله قبل الأوقات الرسمية، واستعطفه ليعالجه، وجه ذلك الطبيب نظرة احتقار وازدراء للمريض دون أن يأبه لما يشعر به من ألم، وسمم شعوره بكلمات جارحة قاسية وانصرف.

وقد يجعل ذلك السلام والقسم لجان التفتيش الفني من الأطباء أيضا لا يجاملون زملائهم الأطباء ويُحابونهم، فلا تجد طبيبا قد ارتكب جرما طبيا يصير مدانا لأن زملائه من لجان التفتيش يلتمسون له الأعذار الطبية، وإذا حدث وأدين ثارت ثائرة نقابته بالحق والباطل حتى يفلت الطبيب بفعلته وجريمته دون عقاب.

وقد يجعل ذلك السلام الوطني والقسم الأطباء يتعاملون بالإنسانية والواجب مع المرضى، حريصين على أوقات المرضى وآلامهم، فلا تجد طبيبا يحدد موعدا لإجراء عملية في العين لمريضة من الفقراء البسطاء التي تتألم وتعاني بشدة لكن الطبيب يؤجل إجراء العملية أكثر من مرة بأسباب واهية جدا منها عدم توافر سرنجة مثلا.

أو تجد طبيبا يطالب المريض أن يحضر أدوات طبيبة قبل العميلة لا يجدها ذلك المريض أو أهله في جميع الصيدليات، ويظل المريض في شدة الألم، وأخيرا يهمس أحد الممرضين أن المطلوب لديه في المستشفى وكله بثمنه الذي يتقاسمه مع الطبيب منعدم الضمير، أو تجد طبيبا يحجز أكثر من غرفة للعناية المركزة لمرضاه وتظل فارغة إلى أن يحضر هو مرضاه، بينما المرضى الفقراء يقال لهم لا توجد أماكن شاغرة، فيموت المريض الفقير.

أو تجد طبيبا يؤجر لحسابه الخاص الحضانات الحكومية، ويدعي للفقراء عدم توافر هذه الأماكن، أو تجد طبيبا يقوم بتصوير العملية التي يقوم بها على المريض الفقير ليعرضها على "النت"، متباهيا بما يفعل وكأنه يعرض فيلما من إخراجه غير مبال بمشاعر المريض وأهله.

أو تجد أطباء يمرحون ويتضاحكون في غرفة العمليات وكأنهم في "غرزة" بلدي، أو تجد طبيبا يحتكر الأدوية الحكومية لنفسه ويبيعها لحسابه أنه يصرفها لمرضاه هو دون غيرهم، أو تجد طبيبا ينظر في ساعته في أثناء إجراء الجراحة ليُنهيها سريعا لأنه مرتبط بموعد مع خطيبته أو مرضاه الخصوصيين إلخ، فإذا ساعد القسم الجمهوري على اختفاء جزء من هذه السلبيات وقتها سيصير سلاما مربعا للمستشفيات الحكومية وأطبائها.
الجريدة الرسمية