رئيس التحرير
عصام كامل

نبينا ونبيهم (4)


نبينا، صلى الله عليه وآله وسلم، قال عنه الله، عز وجلَّ: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" الأنبياءالآية 107. وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس: إنما أنا رحمة مهداة". رواه الدارمي والبيهقي، وصححه الألباني. وعن أبي موسى الأشعري قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: أنا محمد، وأحمد والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة". رواه مسلم.


ونبيهم، غفر الله لهم، وهداهم إلى سواء السبيل، قال عن نفسه، على حد زعمهم، "بعثت بالذبح......."! كيف يتسنى هذا، وينسجم، ويستقيم، مع قول الله، تعالى، له: "فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ". الأنعام - 147. هل المبعوث رحمة للعالمين يقبل بأن تكون لديه شهوة الانتقام، والعنف، والضرب، والقتل، وسفك الدماء، مهما آذاه الناس، وكذبه الكافرون، وأساء إليه المشركون؟!

على علمائنا الأفاضل أن يجتهدوا لكشف خطأ ما يروِّج له "الدواعش" من أمثال "أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح".. وتنزيلهم إياه على المسلمين، فيستحلون بذلك الدماء المعصومة، بالشبهة.. هذا ما قال فيه ابن عمر، رضي الله عنهما: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين"..

وحديث السيف، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ". من يصدق، ويقتنع بأن رحمة الله للعالمين هو قائل تلك الكلمات؟!

إنه، حتى، رفض أن يلعنهم، أو يدعو عليهم.. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً".. رواه مسلم (2599).

لقد حاولوا تصوير النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، على أنه أمير الانتقام، وأساءوا إليه كثيرًا، وزوروا السيرة، وأعادوا كتابة التاريخ الإسلامي، على حسب أهوائهم، ووضعوا الكثير من الأحاديث المزورة، والروايات الكاذبة، عن القتل وسفك الدماء، بل وحب الشهوات، والركون إلى الدنيا؛ حتى إننا لو صدقنا مزاعمهم، لكان لدينا دين جديد، غريب عن الإسلام السمح، ورسول مختلف، تمام الاختلاف، عن النبي، المعصوم، الصادق، الرحيم.

ومن أمثلة رحمته، صلى الله عليه وآله وسلم، أنه دخل ذات مرة بستانًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جَمَلٌ، فلما رأى الجملُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح عليه حتى سكن، فقال: لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله، فقال له: "أفلا تتق الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؛ فإنه شكا لي أنك تجيعه وتتعبه"، رواه أبو داوود.

ورُويَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابَّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ ـ يعني واقفون على دواب يتحادثون ـ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً وَلا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لأَحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالأَسْوَاقِ فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا هِيَ أَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهُ.

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا، وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ: مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ ؟ قُلْنَا: نَحْنُ، قَالَ : إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّار.

وروت لنا كتب السير أنه لمّا شقّ على النبي صلى الله عليه وسلم طول القيام، استند إلى جذعٍ بجانب المنبر، فكان إذا خطب الناس اتّكأ عليه، ثم ما لبث أن صُنع له منبر، فتحول إليه وترك ذلك الجذع، فحنّ الجذع إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمع الصحابة منه صوتًا كصوت البعير، فأسرع إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه حتى سكن، ثم التفت إلى أصحابه فقال لهم: "لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة" رواه أحمد.

هذا هو نبينا الذي نعرفه، أفلا يتوقف المتطرفون، والمتشددون، والمتكبرون، لحظة، ليسألوا نفوسهم، الأمَّارة بالسوء؛ عن هوية ما حوته كتبهم عن شخصية سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، من تزييف وتشويه، وأكاذيب، ما انزل الله بها من سلطان، ألم يئن لهم أن يعقلوا ويتفكروا في حقيقة ما زعمه شيوخهم عن نزوعه، والعياذ بالله، لسفك الدماء؟!
الجريدة الرسمية