رئيس التحرير
عصام كامل

الصدق مع الرئيس


يخطئ من يتصور أن إخفاء الحقيقة في مصلحة البلاد، أو مصلحة الرئيس، أو مصلحة ثورة يونيو العظيمة، ويخطئ من يعتقد أن قول الحقيقة وإن كانت مؤلمة هو من قبيل تعطيل المسيرة، بعد خمس سنوات من ثورة ضد حكم فاشٍ لابد وأن نتصارح على أرضية وطنية النظام والإيمان بإخلاص الرجل الذي استجاب لهبة الجماهير، والتضحية مع زملاء له بكل غال من أجل الوطن، عندما كانت الجماعة الإرهابية تيقن أنها جاءت مدعومة من الغرب للبقاء على صدر الوطن لخمسمائة عام على الأقل.


ونقول الحقيقة بلا مزايدة، عندما نستعرض صور الثلاثين من يونيو، نرى بوضوح أن هناك فريقا انزوى من المشهد، وهناك فريق اختفى، وهناك من تم إخفاؤه أو الخلاص منه بأسباب أو غير أسباب، باختصار طغى على السطح جماعة جديدة، أو فريق استفرد بالحكم والمشورة، يقرر ما يشاء ويفعل ما يرى أنه في صالح الوطن دون نقاش مجتمعي، أو حوار مع أطراف كانت فاعلة في مواجهة الإخوان في عز سيطرتهم وسطوتهم.

المشهد الحالي بعد خمس سنوات لا ينبئ بتجربة تلتف حولها الجماعة الوطنية، أو يرضى عنها المجتمع، صحيح حققنا إنجازات لا ينكرها إلا جاحد، غير أن كلفة الاستفراد بالقرار لا نتصور أن الوطن قادر على تحملها، في ظل ظروف عصيبة إقليمية ودولية وداخلية، أن يصبح الإعلام صوتا واحدا ليس من مصلحة البلاد والعباد، كما أنه لا يصب في صالح تجربة ٣٠ يونيو وقبل هذا وذاك هو في الأساس ضد تجربة السيسي التي بدأت بالتضحية وتمضي الآن في طريق الانفراد.

قد يقول قائل: إن الظرف الصعب هو من أفرز المشهد الواقعي للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية، إلا أن المضي قدما في الطريق، وبنفس المنهج يخلق حالة من الإحباط العام، ستكون كلفتها أكبر من الاحتمال، في ظل أجواء اقتصادية صعبة للغاية، تحتاج إلى التفاف جماهيري ووطني قادر على صناعة أمل أمام الناس بأن الغد أفضل وأن ما نمر به ليس إلا عرضا لمرض عضال كان لابد من مواجهته.

آمن المصريون بدعوة الرئيس لحفر تفريعة جديدة لقناة السويس، انطلاقا من يقينهم بأن المشروع مدروس، وأننا بحاجة إلى دفعة للأمام تبث الثقة في أنفسنا بأننا قادرون على الفعل الإيجابي.. أخرج المصريون ما في جيوبهم، وأقبلوا على المشروع بكل دعم، ثم اكتشفوا أن المشروع لم يحظ بدراسة وافية ولا نقاش مجتمعي يطرح فكرة الأولويات الوطنية فكان ما كان.. بنفس الهمة والإقبال آمن المصريون بما طُرح حول مشروع الطرق القومي، غير أن هذا أيضا لم يكن الأولوية الأهم على أجندة الواقع الوطني.

تسارعت الخطى نحو مشروع إصلاح اقتصادى، استسلم لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، دون دراسة حقيقية لتداعيات تلك الشروط على ملح الأرض، ومواجهة معاناة الناس، فانتقلت طبقات من مساحة الوسط إلى القاع سريعا، أما من في القاع فإنهم محاطون بالعوز والجوع والإحباط دون تحرك علمي لإنقاذهم، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ركزت الدولة في مشروعاتها العقارية على طبقة الأثرياء، لدرجة أن وزارة الإسكان طرحت مؤخرا شقة حكومية يصل سعرها إلى اثني عشر مليونا من الجنيهات.

وأصبح شبح الرأسمالية المتوحشة هو المسيطر على المشهد، مع إهمال أهم مشروعات مصر التنموية، وهو مشروع التعليم الذي لم تصل إليه يد الإصلاح إلا من محاولات غير جادة، تنبئ بأكذوبة كبرى، يقودها فريق من "مصلحجية" الفترة العصيبة، أيضا دون تدخل من المجتمع، أو طرح الأمر للنقاش الجماعي والعلمي، فبدا مشروع طارق شوقي وكأنه مشروع أبو حلموس الذي انطلق سينمائيا تحت شعار الشيء لزوم الشيء.

الملف الثاني في أولويات المصريين هو الملف الصحي، حيث بات انتظار الموت هو الحل الوحيد أمام الجماهير العريضة، التي لا تجد عونا في مواجهة غول المرض إلا من مشروع يتيم، نعتبره أعظم إنجازات السيسي، وهو مشروع مواجهة فيروس سي القاتل، والذي يعد نجاحه أكبر نموذج على قدرتنا على الفعل الإيجابي، شريطة أن نحدد بدقة أولويات المرحلة، دون انفعال بمشروعات أثبتت الأيام أنها لم تطرح ثمرا يغني الفقير، أو يحرك الساكن، أو يدعم صناعة الأمل.

والصدق مع الرئيس واجب وطني يفرضه الضمير الإنساني، ومن الصدق أن نقول لسيادته إن حكوماتنا أهملت عن عمد قضية الإنتاج والاستثمار، لصالح قضايا ركزت جل اهتمامها على الإنتاج العقاري، الذي أصبح أضحوكة وكارثة تهدد الجميع، فالصانع محاصر بترسانة من القوانين المكبلة، والرسوم والضرائب المخيفة، فما الذي يجعل الصانع يستمر صانعا، أضف إلى ذلك أننا تركنا الفلاح المصري باعتباره المنتج الأول فريسة في مواجهة فلاح أوروبا المدعوم قولا وفعلا من حكوماته.

والصدق مع الرئيس أيضا يفرض علينا أن نقول له: إن إنتاج نموذج للحياة السياسية يحاكي ذات النموذج قبل ثورة يناير المجيدة هو من قبيل تكفين قدرات مصر، والإبقاء عليها حبيسة العزلة والضعف والهوان، خاصة بعد أن طفت على السطح نفس الوجوه التي كانت ظهورها على خجل حتى وقت قريب يعد نوعا من المغامرة، قد يعاقب عليها اجتماعيا صاحب هذا الظهور، شيئا فشيئا بدا استنساخ الحزب الوطني أمرا ممكنا بل ومدعوما من النظام.

إحكام السيطرة على مجلس نواب مصر لا يصب في صالح البلاد، فوجود الصوت الآخر أصبح ضرورة تحدث عنها الرئيس في أكثر من مناسبة، غير أن المحيطين به يفعلون العكس تماما، وكأنهم يبعثون برسائل تمحي كل ما يقوله السيسي إيمانا منه بضرورة تنامي معارضة وطنية قادرة على التعبير عن آمال وطموحات الناس أملا في خلق أجيال وطنية قادرة على شغل الفراغ الذي استغلته الجماعة الإرهابية طوال عصر مبارك فكان ما كان.

أن ينتشر الهمس بين الناس، وأن يغلق الكبار تليفوناتهم قبل الحديث، وأن يصبح التعبير عن الاختلاف مع النظام مغامرة غير محسوبة العواقب، وأن تتجه بوصلة متابعة الحدث المصري إلى قنوات ومواقع وصحف خارج الحدود، وأن يطارد معارضون في حفل إفطار معلن، وأن يقتحم حزب سياسي في مقره، وأن يعاقب الناس على كتابات على صفحاتهم الشخصية، أن يصبح الخوف هوسا يحيط بالجميع، كل ذلك نحن على يقين أن مسئولين يمارسونه ضد تجربة السيسي التي انطلقت شعبية، ولا بد أن تستمر محمية بهذا الغلاف الشعبي الذي يتآكل يوما بعد يوم!!

والسؤال الملح الآن هو: ما الذي جعل صورة البطل المغوار المضحي بنفسه من أجل الجماهير تتغير في أذهان شعبه؟.. أقول وبكل إخلاص إنها البطانة التي تسيء عن عمد فهم الرسائل الرئاسية، أو تتجاهل ذلك مستغلة ثقة الرئيس، تصبح تلك البطانة ومصالحها الذاتية هي الخطر الكبير على مشروع السيسي، الذي دفع الجماهير للالتفاف حوله ودعمه بكل ما لديها معنويا وماديا، البطانة التي عزلت من كان قبله ومن قبل قبله، البطانة التي لا ترى إلا مصالحها.. والتي عزلت كل حاكم صالح عن شعبه حتى صار غريبا عنه وصار شعبه بعيدا عنه.

بعد خمس سنوات أصبحنا بحاجة إلى وفاق وطني يجمع الكل لمواجهة مؤامرات لا يقتصر أبطالها على أعداء تقليديين، وإنما يكمن الخطر في هؤلاء الذين نتصور أنهم الأقرب إلينا!!
الجريدة الرسمية