رئيس التحرير
عصام كامل

اتساع الهوة الفكرية بين جيل الشباب والمجتمع


لعل ما كتبه "جورج مونبيوت" في صحيفة الجارديان البريطانية عما أصاب شباب العالم من حالة من العزلة والفردية أشبه بالمرض النفسي بسبب العولمة التكنولوجية والنمط الاقتصادي الاستهلاكي، فتسبب زيادة الاكتئاب وحالات الانتحار وحسب تقارير المؤسسة البريطانية للصحة النفسية فإن الشباب من ١٨ إلى ٣٤ عاما أكثر عرضة لهذه الأمراض النفسية.


إن وسائل التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي ثم فرض أنماط استهلاكية مفزعة يعجز الشاب عن مواجهتها في الواقع فرض نوعا من العزلة على جيل بأكمله.. ولا ننسى أنماطا من الوظائف المستحدثة في حيّز الإنترنت أكدت على هذه الحالة النفسية بما يسبب خطرا مستقبليا.

ولعل هذه العزلة أصبحت تهدد شكل الدولة الكلاسيكي وتفرض شكلا من اللا انتماء لدى أجيال بأكملها وعند تحليل المشكلة وحلها يجب أن ندرك أربعة محاور أساسية:-

أولا: يجب أن يعي المجتمع أن رغبة الشباب في التغيير نابعة من كم هائل من الضغوط ويمكن تسخيرها إلى طاقة إيجابية وليس سلبية وأن الصدام بين الأجيال المتعاقبة (بين الآباء والأبناء) طبيعي وليس بدعة، ويجب تداركه ويجب ألا يلغى الآباء مسئوليتهم بعيدًا عن هذا الجيل بثقافته المختلفة، لأن هناك قاعدة مسلمًا بها هي (تسلسل الأجيال)، التي تؤكد أن كل جيل هو نتاج للجيل السابق له، لذا فيجب أن يكون هناك انفتاح وحوار للوصول إلى نقاط تفاهم مشتركة والإيمان بقدرة الشباب على الابتكار في ظل أخلاقيات المجتمع الشرقي.

كما يجب أن يدرك الآباء أن التمسك بتقاليد شكلية وثوابت قد تصطدم بفكر الشباب والأهم هو فلسفة القيم وجوهرها.

ثانيا: العولمة الاقتصادية (النيوليبرال) والثورة التكنولوجية والعولمة الثقافية وانفتاح المعلومات هي أحد محددات العصر لا يمكن رفضها وهي المحركة لثقافة الشباب في هذا العصر، لذا فإن الفجوة لها أسباب وإحداثيات لا يمكن تجاهلها ولا يمكن مواجهتها بالانغلاق ورفض الحوار مع الآخر؛ لأن الرفض له رد فعل مضاد.


‎ثالثا: خلاف حول الصورة الذهنية لشكل المجتمع بين الأجيال وضعف المثل العليا التي أفرزها الأسرة والمجتمع والإعلام مما سبب فقدان الثقة في الشباب عمومًا وفقدان الشباب الثقة في المجتمع وقدرتهم على التغيير الإيجابي رغم أن المجتمع مليء بنماذج مشرفة.

رابعا: الحلم هو قاطرة الشباب لكن الحلم يؤدي إلى طريقين لا ثالث لهما إما الأمل أو اليأس.. والتحدي هو أن الشباب تنقصه خبرة تحقيق الحلم وهنا يأتي دور الجيل الأكبر بالاحتواء والإرشاد نحو بناء وتحديد النموذج المناسب له لإبداع تجربة النجاح الشخصي التي تناسبه وليس الاعتماد على المجتمع في تحديد الطريق.. أو تحدي المجتمع وثقافته بلا أي عائد ويجب أن يعي الآباء والشباب مخاطر العناد والتحدي أو التطرف (دينيًا أو الانحلال أخلاقيًا)

يجب أن يدرك المجتمع عامة وجيل الآباء خاصة أن تمرد الشباب يمكن توجيهه نحو البناء الحقيقي والابتكار في اتجاه محمود لإنتاج حضاري يعلي من قيمة الوطن وأن صدام الأجيال وكبتها ليس بالحل الأمثل اليوم إنما يلزم سلوك طرق أكثر لينة لتجاوز تحديات نفسية فرضتها آليات العولمة لبناء جسور التواصل بين الأجيال المتعاقبة من أجل الوطن ورفعته.
الجريدة الرسمية