رئيس التحرير
عصام كامل

الشرقية للدخان والأرباح المسمومة


قرأت خبرًا عن تحقيق الشركة الشرقية للدخان "إيسترن كومباني" صافي ربح بلغ 3.4 مليارات جنيه خلال الثلاثة أرباع الأولى من العام المالي الجاري والمنتهية في 31 مارس الماضي، بزيادة بلغت نحو 167%، وذكرت الشركة في بيان لها، أن الشركة حققت خلال نفس الفترة من العام المالي الماضي أرباحًا بلغت 1.3 مليار جنيه، كما بلغت إيرادات الشركة 10 مليارات جنيه، مقابل 7.8 مليارات جنيه في نفس الفترة العام المالي الماضي، وتُقدِّر الشركة قيمة إنتاجها في الموازنة شاملة الضرائب والرسوم بمبلغ 52.2 مليار جنيه، مقابل 41.3 مليار جنيه في «2017/2018»، بنسبة زيادة تبلغ 26%.


وتعد الشركة الشرقية للدخان من أكبر مصادر إيرادات الضرائب العامة، وهذا أمر جيد، لكن ألا يجب أن نتوقف عند الأخطار النابعة من التبغ والتدخين والمعسل وهي اختصاص تلك الشركة، ونرى أن الشركة وإن كانت تحقق أرباحًا على مستوى المال فإنها تحقق كوارث على مستوى الصحة وأرواح المصريين، بل وترغب الشركة في مضاعفة هذه الكوارث بزيادة حجم إنتاجها فحسب رئيس الشركة، أنها تستهدف تصنيع 87 مليار سيجارة العام المالي 2018 – 2019، مقابل نحو 83 مليار سيجارة العام الجاري، وأضافت الشركة، في بيانها أن إنتاجها من المعسل سيبلغ 17.8 ألف طن معسل في الموازنة الجديدة.

وعند النظر لأخطار السجائر والتبغ، تلك الأخطار التي بدايتها إنشاء المدمن لباقي أنواع المخدرات، نجد أنه ووفق لإحصائية حديثة يوجد عدد 20 مليون مدخن في مصر، يمثلون نسبة 20% من عدد السكان، من بينهم 700 ألف من الأطفال، يستهلكون ثمانين مليار سيجارة سنويًّا، ويسببون خسائر اقتصادية لمصر تعادل مليون يوم عمل، كما أن 60% من الطلبة مدخنون منهم 81% من الذكور، 19% من الإناث، وتنفق الأسرة المصرية 8% من دخلها على السجائر، وتتكلف الحكومة المصرية بصورة مباشرة ما يقارب من ستة مليارات جنيه سنويًّا تنفق على علاج الأمراض المتعلقة بالتدخين.

هذا غير الأموال والمليارات التي تُنفَق بصورة غير مباشرة في علاج تلك الأمراض، ويتسبب المدخنون في نشوب نحو 30% من إجمالي الحرائق من خلال إلقاء أعقاب السجائر المشتعلة، ويتسبب التدخين في 78% من حالات إصابة جلطة القلب، و70% من حالات إصابة الذبحة الصدرية، و68% من حالات إصابة سرطان الرئة، و60% من حالات إصابة سرطان الفم.

وتحتوي السيجارة الواحدة على ستمائة مكونٍ مختلف، وعند احتراق هذه المكونات يحدث تفاعل ينتج أكثر من 7000 مادة كيميائية بشكل عام منها 69 مادة مسرطنة، ولا تختلف السجائر عن الشيشة، فكلاهما لديه مستويات عالية من مسببات السرطان والسموم، وأحد مكونات التبغ هو النيكوتين، وهو يصل إلى الدماغ بثوانٍ معدودة من استنشاقه ويؤثر فيه بحيث يجعله نشطًا ويعمل بشكل أكبر، والنيكوتين مادة تتلاعب بالمزاج وتؤثر فيه، كما أن التدخين بشكل عام يزيد من ضمور عصب العين مما يؤثر في الرؤية ويسبب ضعف البصر، وأيضًا يؤثر في حاسة الشم والتذوق، مما يفقد الشهية أحيانًا.

وعند استنشاق الدخان، يدخل الجسم العديد من المواد الضارة بالرئتين، مما يفقد رئتيك القدرة على تصفية المواد الكيميائية الضارة، السعال عرض للتخلص من السموم ولكنه لا يستطيع مسح السموم بما فيه الكفاية، فتصبح السموم محصورة في الرئة، والمدخنون هم أكثر عرضة للاتهابات الجهاز التنفسي ونزلات البرد، والإنفلونزا، والتدخين مما يتسبب في حالة تسمى انتفاخ الرئة، كما يدمر الحويصلات الهوائية في الرئتين، ويتسبب بالتهاب الشعب الهوائية المزمن، والمدخنون لفترة طويلة من الزمن معرضون لخطر الإصابة بسرطان الرئة.

والتدخين يزيد من نسب الكولسترول السيئ في الدم ويخفض من نسبة الجيد منه، وهذا الأمر يؤدي إلى تراكم المواد الدهنية وتصلب الشرايين، ويزيد من خطر تجلط الدم، وأمراض القلب التاجية المتكررة، والنوبات القلبية... إلخ.

وتُقدِّر منظمة الصحة العالمية 100 مليون وفاة في القرن 20 بسبب التدخين مع زيادة ذلك العدد كثيرًا في القرن الحالي، كما تصف مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (US) التبغ بأنه "واحد من أهم المخاطر على صحة الإنسان التي يمكن الوقاية منها في البلدان المتقدمة، ومن أهم أسباب الوفاة المبكرة في جميع أنحاء العالم."

وعند النظر إلى موازنة وزارة الصحة نجد أن موازنة وزارة الصحة والقطاعات التابعة لها زادت 8 مليارات جنيه في السنة المالية الجديدة 2018/ 2019، لتصبح 63 مليار جنيه في مقابل 55 مليارًا بالسنة الجارية 2017/ 2018، وبالطبع ينفق ما يزيد منها على ستة مليارات على علاج أمراض التدخين وهناك ما يزيد على 20 مليارًا تُنفَق على أمراض متعلقة مباشرةً بالتدخين، وتصيب المدخن، والمدخن السلبي، أو القسري، أي أن الدولة تنفق نحو 26 مليار جنيه على علاج آثار التدخين دون أن يكون ذلك العلاج ناجعًا بالصورة الكافية.

فما يدخل لميزانية الدولة من الشركة الشرقية للدخان "إيسترن كومباني" لا تمكن أبدًا مقارنته ولو من الناحية الاقتصادية بما تسببه تلك الشركة من كوارث صحية واقتصادية كذلك، ويكفي أن نسبة الحرائق بسبب السيجارة تزيد على 30% من أسباب الحرائق في مصر بما يعني خسائر بنحو 20 مليارًا على الأقل.

ويكفي للتدليل على خطورة التدخين أن منظمة الصحة العالمي أصدرت الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية، التي ستفرض ضرائب على الدول المنتجة والمصنعة للتبغ، تُحصّل لصالح المنظمة وتُرسل لها، لإنفاقها على آليات محاربة التبغ والتدخين، على أن يُناقش الأمر مدة أسبوع خلال أكتوبر المقبل في جنيف بسويسرا.

وطبعًا مصر ممثلة في الشرقية للدخان "إيسترن كومباني" سترسل تلك الضرائب للمنظمة، خاصة أن مصر وافقت على الاتفاقية، وبما أن الشركة سترسل ضرائب للمنظمة، الأمر الذي يعني أنها ستخفض من ضرائبها التي تدفعها للحكومة المصرية، بما يعني أخطارًا مميتة دون عائد مجزٍ.

ولذلك أقترح حاليًا – غير ضرورة الحد من نشاط الشركة – أن تساهم الشركة بصورة فعالة في علاج الأخطار النابعة عن التدخين، وذلك بأن تكلف الشركة بإنشاء مستشفيات ووحدات علاجية مختلفة، تعالج آثار التدخين بالمجان أو بأجر رمزي؛ تخفيفًا على موازنة الدولة، كما تبرم الشركة وثائق تأمينية ضد أخطار الحرائق التي تنجم عن السجائر تؤدى قيمتها للجهات المتضررة من تلك الحرائق، وبذلك تؤدي الشركة بعض دورها لضحاياها من المصريين.
الجريدة الرسمية