رئيس التحرير
عصام كامل

المعارضة المفترى عليها!


عندما تتعرض الدولة للعدوان، وتتحرك قواتها المسلحة لحمايتها من الأعداء الذين يسعون لتدميرها، يتوحد المواطنون لمساندة الجيش ويدعمونه، ويشارك كل منهم بقدر استطاعته في المساندة والدعم.


كانت تلك هي مواقف المصريين في كل الحروب التي خاضها الجيش المصري سواء في أعوام ١٩٥٦، ٦٧، ٧٣، والذين عاشوا في تلك الفترات يدركون أن صمود الشعب المصري كان يمثل أكبر سند للمقاتلين في ميادين القتال، ساعدهم على أداء مهامهم القتالية والتصدي للعدوان وهي مهام كان يصعب القيام بها.. بينما الجبهة الداخلية ممزقة بسبب الخلافات بين أبناء الوطن الواحد..

وهي خلافات ثانوية لا ترقي إلى مستوى التحديات التي تواجه وطنا يدافع عن وجوده، في مواجهة أعداء يسعون لهدمه، طالما راهنوا على انهيار الجبهة الداخلية بمختلف السبل، باعتبارها الخطوة الأولى لهزيمة الجيش في ميادين القتال وكان صمود الشعب المصري.. يفسد مخططاتهم.. ويفشل مساعيهم.

في كل تلك الحروب لم يتوقف الأعداء عن نشر الشائعات لإحداث الوقيعة بين الشعب وقواته المسلحة، أو إشعال الفتن الطائفية بين أبناء الوطن الواحد، ولم تنجح تلك المحاولات حتى خلال الحرب التي خسرتها مصر عام ٦٧، وأثارت موجة من الغضب الشعبي ضد بعض قيادات الجيش الفاسدة، دون أن يفقد الشعب ثقته في قواته المسلحة، كما لم يفقد الثقة في الرئيس جمال عبدالناصر الذين أعلن عن أنه يتحمل مسئولية الهزيمة، وقرر أن يستقيل من مناصبه، ففاجأ الشعب المصري العالم كله بإصراره على أن يستمر الرئيس المهزوم دون تجاهل الأخطاء والخطايا التي أدت إلى الهزيمة، وفي مقدمتها استبعاد المعارضة الوطنية من التعبير عن مواقفها وتشكيل أحزابها.

حاول عبدالناصر علاج تلك الأخطاء، واعترف بها، واحتضن الشباب الثائر في تظاهرات ٦٨، التي اعترضت على الأحكام الصادرة بحق قيادات الجيش.. وأصدر بيان ٣٠ مارس الذي بشر المصريين بانتهاء حكم الفرد الواحد.

كان من بين تلك الأخطاء والخطايا، ضيق نظامه بالمعارضين، وإيداعهم المعتقلات باعتبارهم عملاء للخارج، والتشكيك في وطنية كل من لديه رؤى مختلفة عن رؤى الزعيم، وقد تبين أن هؤلاء المعارضين كانوا سندًا للرئيس في أحلك الفترات التي تعرض فيها للهجوم عقب الهزيمة، ويشهد على ذلك عشرات الكتب التي صدرت عن الشيوعيين المصريين الذين تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب في سجون عبدالناصر ومعتقلاته، دون أن يكفروا بالوطن، ولا بالقائد المهزوم، الذي طالما اعتبرهم عملاء وشكك في وطنيتهم.

كان الوطن بالنسبة لهذا الصنف من المعارضين أهم بكثير من معاناتهم الشخصية، والمعركة التي يخوضها ببسالة الجيش المصري.. ومن خلفه يقف الشعب كله، لا تقل خطورة عن الحروب السابقة، وليس صحيحًا أنها تستهدف القضاء على الإرهابيين وحدهم، إنما تواجه دولا كبرى وأجهزة مخابراتها، والأموال التي تنفق بلا حساب، وتهدف إلى هدم الدولة المصرية وتمزيقها إلى دويلات، وهو ما لن يتحقق إلا عن طريق القضاء على الجيش الذي يحمي أرض الوطن ببسالة منقطعة النظير، ويمثل حائط الصد ضد كل من يحاول الاقتراب من الحدود المصرية، ولو بمجرد التصريحات المستفزة..

وهنا ينبغي ألا نضع المعارضة في سلة واحدة، فهناك معارضة تساند القوات المسلحة في معركتها الباسلة، وترفض العنف، وتسعى للإصلاح من الداخل بتقديم خطط بديلة، وهناك فصائل أخرى محسوبة على المعارضة للأسف الشديد لا يشغلها سوى هدم الدولة، من أجل الوصول إلى الحكم، وهي لا تمتلك أدنى المؤهلات التي تؤهلها لتحمل تلك المسئولية، ودون مراعاة أن الدولة تخوض معركة بقاء في مواجهة قوى غاشمة تسعى إلى هدمها، ومن الظلم أن يحسب هؤلاء على المعارضة المستنيرة.. المفترى عليها.
الجريدة الرسمية