رئيس التحرير
عصام كامل

الرهان الصهيوني.. الخاسر!


طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الفلسطينيين بالتسليم بالأمر الواقع، واعتماد القدس عاصمة لإسرائيل، والانصياع لقرار الرئيس الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى العاصمة القدس، حسب الوعد الذي أطلقه خلال حملته الانتخابية.. وها هو يلتزم بتنفيذه.


يراهن نتنياهو على خبرة إسرائيل الطويلة في فرض سياسة الأمر الواقع، التي تؤدي في نهاية المطاف إلى ابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتجاهل الرأي العام العربي والعالمي الذي يكتفي عادة ببيانات الشجب والإدانة، ثم سرعان ما ينسى الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، واستخفافها بقرارات الأمم المتحدة التي تصدر لصالح الفلسطينيين، المهم أن تحقق إسرائيل أهدافها بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، لذلك لم يبد رئيس الوزراء الإسرائيلي انزعاجه من وحدة الموقف العالمي الرافض لقرار الرئيس الأمريكي، والذي تجلى في رفض ١٤ عضوا في مجلس الأمن للقرار في مواجهة أمريكا، كما لم يبد أي اهتمام بقرارات وزراء خارجية الدول العربية الذين اجتمعوا في القاهرة، وأعلنوا رفضهم الكامل للقرار الأمريكي، وحملوها مسئولية تبعاته على مسيرة السلام الفلسطينية- الإسرائيلية..

نفس الموقف اتخذه نتنياهو من قرارات المؤتمر الإسلامي الذي عقد في تركيا، بحضور ملوك ورؤساء وأعضاء وفود ٥٥ دولة، وأقر بأن أمريكا لم تعد تصلح للوساطة بين الفلسطينيين واليهود، وطالب دول العالم بالاعتراف بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وقرر اللجوء إلى مجلس الأمن والجمعية العامة لإلغاء قرار الرئيس الأمريكي.

وامس في الأمم المتحدة صوت 128 عضوًا من أصل 193 عضوا من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح القدس، مؤكدين رفضهم لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بينما امتنع 35 عضوًا ورفض 9 أعضاء التصويت ضد القرار.

واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي كل تلك المبادرات بالتجاهل التام، وأعرب عن ثقته في أن تلك الدول التي رفضت قرار الرئيس الأمريكي ستتراجع عن مواقفها، وستعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتسارع بنقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس، لأن المصالح هي التي توجه الدول وليست المبادئ.

ولم ينتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي إعلان تلك الدول المؤيدة للحق الفلسطيني لتراجعها، إنما تحرك بسرعة لإقناع رؤساء الدول بسلامة الموقف الأمريكي وأن تمسكها بمساندة الحق الفلسطيني سيضر بمصالحها، وركز على الدول التي عرفت بتحالفها مع الولايات المتحدة، لمحاولة إقناعها بأنه لا مصلحة لها في أن تخسر أكبر دولة في العالم، وتساند الدول العربية والإسلامية المنشغلة بالحروب فيما بينها.. وليس لديها ما تقدمه للآخرين، ولم يفقد نتنياهو الأمل في تحقيق الأهداف الإسرائيلية حتى وهو يتلقى صفعة من الرئيس الفرنسي الذي أعلن في مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو أنه لن يتراجع عن موقفه الرافض للقرار الأمريكي.

حاول نتنياهو اللعب على وتر أن إسرائيل دولة ديمقراطية، وهي الأقرب للدول الأوروبية بينما تعيش الدول العربية في ظلمات القرون الوسطى.. في ظل أنظمة استبدادية تفرخ الإرهاب ولا تراعي حقوق الإنسان، وأن يقنعهم بأن إسرائيل وحدها الأقدر على حماية الأماكن المقدسة.. للمسلمين.. والمسيحيين واليهود ولن تمنع أتباع هذه الديانات من زيارة الأماكن المقدسة، وهو أمر ليس مضمونا تحقيقه في ظل تبعية تلك المواقع للفلسطينيين.. الذين لا يتوقفون عن الاقتتال فيما بينهم.

راهن نتنياهو أيضا على أن العرب سرعان ما يفتر حماسهم للقضية الفلسطينية، وتنشغل كل دولة بمشاكلها، والدليل أن الاهتمام الشعبي والرسمي بفلسطين تراجع في معظم الدول العربية والإسلامية.

تلك هي رهانات إسرائيل وإفشالها ليس مستحيلا خاصة بعد أن عادت القضية الفلسطينية لتحتل مقدمة اهتمام الشعوب العربية والإسلامية، بعد صدور القرار المستفز للرئيس ترامب الذي دفع بالقضية الفلسطينية إلى الصفحات الأولى في الصحف العالمية، ومواقع متميزة في الفضائيات التي يتابع مراسلوها بالصورة ما يجري على الأرض الفلسطينية من مواجهات بين الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يتصدى لدبابات ومجنزرات وطائرات إسرائيل بصدور عارية.

ولم يحصل رئيس الوزراء الإسرائيلي حتى الآن على وعد بتراجع الدول المؤيدة للحق الفلسطيني عن مواقفها.. وفشلت مساعيه حتى الآن، ويبقى الرهان الصهيوني على عدم استمرارية الدول العربية والإسلامية في الدفاع عن القدس وانشغالها بمشاكلها الخاصة.. وإفشال هذا الرهان يتوقف على مدى جدية الدول العربية والإسلامية في تنفيذ القرارات التي اتخذتها، واللجوء إلى المنظمات الدولية لإقناعها بالإشراف على المفاوضات.. بدلا من أمريكا، وبذلك يفشل الرهان الصهيوني.
الجريدة الرسمية