رئيس التحرير
عصام كامل

مهاجرون بلا أنصار


عندما فقد المصري صفته كقراري أي ثابت ومستقر ورحل للخليج لم يكن لديه "كتالوج" التعامل مع مجتمعات الخلايجة بعد طفرة النفط، كان لا يزال يُؤْمِن بالعروبة ولديه إحساس بأن بلده حارب وجاهد وأرسل الكسوة للكعبة ومدرسين وأطباء لمنطقة الخليج أيام القحط، وأن جامعات ومدارس مصر احتضنت الأشقاء كأبناء البلد، لا فرق وكان لا يزال يفخر بأن الفيلم والكتاب والمسرحية والمطربين والملحنين المصريين هم من يطربون العرب من المحيط للخليج، وإن الحكي المفضل هو الحكي المصري، وإن الضحكة لابد أن تكون مصرية، وكان الفيلم المصري يسمى الفيلم العربي وصوت العرب من القاهرة هو من يجمعهم، وشدو أم كلثوم هو جامعتهم العربية، وكانت البصمة المصرية من ألحان وكلمات هي تأشيرة أي فنان عربي، بل كانت ولا تزال النقود في الشام اسمها المصاري منذ ذهب إبراهيم باشا هناك، ويقال إن مصر لو وفرت ما صرفته على العروبة زمان لأصبحت قراها أجمل من القرى السويسرية، ولكن ذلك كان فيما مضى.


نسي الجيل العربي والخليجي الجديد كل ذلك واستبدل الأدنى بالذي هو أعلى، وأصبحت شوارع الخليج تعج بالهنود والفلبينيين والباكستانيين، وصار الغنج اللبناني هو الحكي الرسمي للفتيات، وصارت غرف النوم استوديوهات للأغاني، وصارت القواعد العسكرية للأمريكان والإيرانيين والأتراك والباكستانيين فوق الأراضي الخليجية مشهدًا مألوفًا لا يثير العيب، ولا ينتقص من الكرامة الوطنية، بل أصبح مصدر فخر لترهيب الأشقاء والجيران وصارت إسرائيل الصديق المفضل.

وتلك مقدمة طويلة فقط لتذكير المؤلفة قلوبهم مصريا بمناسبة الإهانات التي يتعرض لها بعض المصريين في الخارج، وآخرها السحل البدني الذي تعرض له عامل مصري في الكويت، بدون سبب، وربما يكون صحيحا إنها مجرد حوادث فردية وإن السلطات الكويتية سارعت بالقبض على الخنزير الهمجي، وسارعت بتحويله للجنايات، ولكن الصحيح أيضًا أن تكرار مثل هذه الحوادث البشعة في حق العاملين المصريين في الكويت والأردن والسعودية تحديدا في تلك الدول الثلاث تثير الكثير من الاستنتاجات للمفاهيم والتربية والصورة الذهنية لدى هؤلاء الأفراد لكي يقدمون على تلك السفالة لضيوف عندهم، يسعون في أرض الله الواسعة للرزق أي أنهم مهاجرون، ولكن بدون أنصار، بدون أن نذكرهم كيف استقبل الأنصار المهاجرين في المدينة المنورة عندما اقتسموا معهم الأرض والرزق والسكن، بل طلَّق بعضهم إحدى زوجاته ليتزوجها أحد المهاجرين، وما حدث لم يكن حكاية للتاريخ ولكن كانت حياة سيدنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) تضع القواعد للناس وتنظم شئون حياتهم.

ومن حقنا أن نسأل لماذا يهان المصريون في بلاد العرب، ولا يحدث لهم ذلك في الغرب، ولماذا لا يجرؤ خليجي على إهانة الأمريكان والأوربيين، بل لماذا يستأسد الكفيل الظالم على المصريين بينما يعيش الأجانب ملوكًا في تلك الدول؟!

وبدون الدخول في تفاصيل قصص مثيرة وقعت بنفس السيناريو من قتل وتعذيب للمصريين، فقد باتت الظاهرة تتطلب التصدي والرد الرادع، خاصة أن المواطن المصري تهيأ نفسيًا لمرحلة جديدة بعد ثورة ٣٠ يونيو، ولهذا رأينا السفيرة نبيلة مكرم تسافر على الفور لحفظ كرامة المصريين، وتلك خطوة رائعة، ولكن الأروع أن تظهر القاهرة العين الحمراء، بحيث يتم وضع هؤلاء المعتدين في قوائم سوداء ولا يسمح لهم بدخول مصر مثلا.

وإذا كان المصريون العاملون بالخارج مصدرًا للعملة الصعبة وحولوا خلال عام أكثر من ١٤ مليار دولار فقد ادخروها بالعرق وبجزء من أعمارهم، وليس منة أو هبة من أحد، ولذلك فإن الحد الأدنى معرفة أعداد المودعين سجون تلك الدول، وحمايتهم، ولا يعني هذا حماية المحرم، ولكن توفير كل الحقوق وحماية أرواحهم وممتلكاتهم.

أما الأمر المحزن فهو غياب النخوة عند البعض خوفًا على رزقه، ففي معظم الحوادث وقف بعض المصريين يصورون عملية السحل وفي حادث الكويت الأخير لم يتدخل أحد منهم لمنع الخنزير من الفتك بابن بلدهم بصورة مخزية، وهي حكاية من حكايات علاقات المصريين في الخارج، وبصراحة قبل أن نطالب الآخرين باحترامنا علينا أن نحترم بعضنا البعض لكي نعيد الهيبة للجاليات المصرية؛ لأن السور الواطي يغري بالقفز.
الجريدة الرسمية