رئيس التحرير
عصام كامل

«فيتو» داخل أكبر تجمع للفلسطينيين بمصر.. كيف استقبل أهالي «جزيرة فاضل» قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل

فيتو

أسوار طينية كانت تلك العلامة المميزة على طول الطريق إلى جزيرة فاضل، تلك القرية التي تفوح برائحة وعبق فلسطين على أرض مدينة أبو كبير بمحافظة الشرقية.


شوارع القرية هادئة ساكنة اللهم إلا من أصوات صادرة من البيوت الطينية البسيطة التي تسيطر على الغالبية العظمى من مباني القرية، وبعض أصوات صادرة من أطفال قسماتهم تشي بعرق وجذور شامية.



الحياة في جزيرة فاضل الفلسطينية المصرية، تسير بصورة طبيعية، لا جديد يحدث تحت الشمس، الرجال يعملون بكامل طاقاتهم، والسيدات يجلسن وقت العصاري في الشارع منهن من تهدهد أطفالها وأخريات يتابعن المارة، وبعضهن يمشطن شعور بناتهن في حنان.



وكما يبدو فإن وقع الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل وقرار ترامب بنقل سفارتها إليها ربما مر بردًا وسلامًا على أهل القرية، وهو ما استدعى سؤالهم عن هذا الأمر الذي أثار موجة من الاحتجاجات والغضب العارم لدى الشعوب العربية ودول أخرى إسلامية.



كانت البداية مع عايشة، المعمرة الفلسطينية التي لا تزال تحمل رائحة الماضي الذي انقضى، سيدة من أكبر أهل البلد عمرًا ومن الباقيات من السيدات المعاصرات لما حدث عام 1948 لأهالي فلسطين كافة ولعائلات بئر السبع خاصة، وهي المدينة التي هاجرت منها مع أسرتها بعد الاعتداء الإسرائيلي عليها، واستقرت معهم بعد رحلة هجرة طويلة في جزيرة فاضل التي يعيشون فيها حتى اليوم.



وبسؤال "عايشة" عن رأيها فيما آلت إليه الأحداث في وطنها، لم تُسعفها حالتها الصحية وأبى سمعها أن يسمح لها بالتعرف على نكبة جديدة تُضاف إلى النكبات التي عاصرتها، واكتفت بترديد عبارات الترحيب والدعاء.



ومن معمرة إلى أخرى، كان اللقاء الثانى مع "شمة"، سيدة من اللاتي يسكنّ تلك القرية منذ أن جاءت إليها صغيرة مع أهلها من بئر سبع عام 1948، حكت عن ذكرياتها أثناء الرحيل وعن الآلام التي عايشتها أثناء هجرتها من وطنها، لكنها وبالرغم من تعلقها بفلسطين فإنها لا تتابع "الحرب الجديدة" كما أطلقت عليها، لا تعرف كثيرًا عن ترامب واعتماده القدس عاصمة لإسرائيل ولا تدري ما الذي يحدث مؤخرًا على أرض آبائها وأجدادها معلقة "أنا مش بتابع النشرة"، ولا تعلم "شمة" متى يمكن أن يضحى الحلم بعودة فلسطين لأهلها حقيقة وتساءلت في حيرة والعين لا تخلو من نظرة استنكار "الله وحده أعلم إذا بعد الحرب دى ممكن ترجع ولا لا".



أما "أبو حافظ"، كما يلقبه البعض، فالحزن الممزوج بالغضب كان هو المسيطر على قسمات وجهه وملامحه، فحينما ذُكر أمامه أمر القدس وما يحدث فيها "كده معدش في إسلام.. إزاي ده يحصل في القدس"، بهذه الكلمات ظل يتمتم ذلك الرجل الذي ولد على أرض الكنانة وعاش بها منذ خمسينيات القرن الماضى إلا أن فلسطين وذكراه العطرة لا تزال ساكنة في قلبه.



لم يكن سليم الخمسيني الفلسطيني يعلم شيئًا عما يحدث في أرض جدوده إلا حينما فتح التليفزيون وتابع الأخبار، وجد أن بلاده الأصلية تُباع وتُشترى لمن لا يملكونها من الأساس، وكان الحزن حليفه منذ هذه اللحظة "أنا فلسطيني الجنسية ووالدى قصد مصر مع أهله سنة 1948 واتجوز واستقر هنا.. أنا عشت عمرى كله في مصر.. لكن مش راضي عن اللى بيحصل في فلسطين.. مين ممكن يرضى عن كده؟.. اللى بيحصل ده مزعل الكل.. أي إنسان عنده نخوة ووطنية لازم يزعل"، وبالرغم من أن فلسطين بلاده لكنه يري في مصر وطنه" بئر السبع ما بقيت لنا وهاجر كله أهلها من زمان.. أهلي وجدودى كانوا ناويين يرجعوا بس أنا لو رجعت هروح زى الضيف.. كل عيلتي هنا وبناتى الـ12 كمان في مصر".

أما علاء، فلسطيني ثلاثيني، يعمل على "توك توك" في أنحاء مدينة أبو كبير، ويُعد أحد رجال القرية النشطاء الذين خرجوا منذ الصباح من أجل لقمة العيش ليتمكن من الإنفاق على زوجته المصرية وأبنائه الذين حصلوا على الجنسية المصرية من والدتهم، تحسبه لا يأبه لما يحدث في الكون ولكنه في الحقيقة متابع جيد، " أنا عرفت باللي حصل امبارح.. زعلت أوي.. عايزين يقسموها شرقية وغربية وهما لا يملكونها من الأساس"، بهذه الكلمات عبر علاء عن حزنه لتحول القدس، مدينة الصلاة إلى عاصمة للكيان الصهيوني المغتصب، وبالرغم من أنه لم يزر فلسطين يوما فقد ولد وعاش على أرض مصر إلا أنه يعتبر كل ما يحدث لها يمسه ويحزن قلبه، وما حدث جعله يتذكر حكايات أجداده عن النكبة التي دفعتهم دفعًا للهجرة إلى جزيرة فاضل التي احتوتهم واتخذوها وطنًا.



وكانت شرارة حماس الشباب كامنة ولم تلبث أن اندلعت بمجرد أن ذكرت سيرة القدس أمام شاب في العشرينيات من عمره، فلسطيني بدم لم تتمكن سنوات الاستقرار في "فاضل" أن تنسيه بلاده، فثارت ثورته وغضبه، متسائلًا والحزن يغالب صوته " القدس راحت مننا.. وكل الناس ساكتة"، بينما كان الأطفال يلهون ويركضون في أرجاء القرية وأمارات الشقاء على وجههم ويبدو أنهم لا يدركون عن هذه الأمور شيئًا.



كثير من الصغار يعملون في القمامة وبعضهم يحرص على التعليم، ولكن الغالبية العظمى منهم لا يعلمون عن فلسطين شيئًا سوى اسمها، تبتعد عن نفوسهم ذكراها، وبالتبعية لا يعرفون شيئًا عن القدس وتهويدها باعتبارها عاصمة للكيان الصهيوني، لا يدركون شيئًا سوى دوامة الحياة التي ينخرطون فيها منذ نعومة أظفارهم.



مع تقدم الأجيال تبدو ذكرى فلسطين خافتة، والجنسية تصبح هي الرابط الذي يذكر الأجيال الجديدة ببلادهم، بينما لم تتعلق أرواحهم بعد بمدينة الصلاة.. القدس، ولم تدرك عقولهم بعد حقيقة انتقالها إلى كيان اغتصب أرض أجدادهم منذ عقود.


الجريدة الرسمية