رئيس التحرير
عصام كامل

موجة الخراف الذكية!


قال لي صديقي وهو يطلب من عامل المقهى تغيير حَجَر الشيشة الخامد بآخر نشيط وملعلط، بعدما خمدت نار الأول عقب انتهاكه لمُدة تزيد على النصف ساعة "يا عم فُكَّك من الحوارات العلمية والكلام الفاضي دة، إنت هتعمل لنا فيها (أرشميدس) على آخر الليل؟ إحنا عاوزين حَد يحل لنا مُشكلة المعسل اللي بيروح في الهوا هَدَر ده، مش تقول لي خرفان ذكية، ألا صحيح مش (أرشميدس) هو مخترع العربية المرشيدس؟!"


كنت أحاول فتح باب المُناقشة في حكاية الخرفان الذكية هذه، خاصةً وقد قررت مجابهة تأنيب ضميري بشكل عملي بعدما اتهمت -مثلي ومثل كُل المصريين- الخرفان بأنهم أغبياء بعد تجربة حُكم جماعتهم لمصر لمُدة عام كامل، سبقه عامان من الغش والخداع والتدليس وسفك الدماء، وتلاه -ذلك العام الكامل الأغبر- موجة إرهاب دموي وفكري وإعلامي وتضليلي مسعورة، أثبتت أكثر أنهم أغبياء في كُل شيء، إلا القدرة على التآمر والكذب وإجبارنا على الضحك عليهم!

تأنيب الضمير هذا دفعني لإطلاع صديقي على تجارب جامعة كامبريدچ الأخيرة، والتي أثبتت أن الأغنام يمكنها التعرُّف على وجوه الإنسان، بل التمييز بين بعضها البعض، وعرضت عليه الڤيديو الذي نشرته الجامعة كتتويج لنجاح باحثيها في هذا الشأن، بعدما تمكَّنت بعض الخراف -التي ثبت ذكاؤها الجَم- من التمييز بكفاءة تامة بين المذيعة البريطانية (فيونا بروس) وبلدياتها الممثلة (إيما واتسون)!

وسألني بلهفة بعدما استمع لكُل كلامي بربع وعي فحسب، بينما الأرباع الثلاثة الأخرى مُشتتة بين محاولاته الشفهية والعملية لإيجاد حَل لعدم إهدار موارد طاقة المعسل هباءً بلا جدوى عندما يضطر لجذب شفطة من كوب الشاي، أو النهوض مُجبرًا لدخول الحمام وترك الحَجَر داير لوحده فوق الشيشة "إنت مُمكن تكلم لنا أصحابك في الجامعة دي علشان يكتشفوا لنا حَجَر معسل يقدر يميِّز بين وجود صاحبه جنبه واللا لأ؟ يعني قصدي علشان لما أبعد عنه أروح الحمام أو أكلِّم حَد أو كده، الحجر يبطَّل يحرق المعسل، يقوم يعيش أكتر.. ممكن؟ والله لو عملوها ده يبقى اختراع أحسن من بتاع (چيمس وات)!"

لم يدهشني اختياره لـ(چيمس وات) بالأخص؛ فمخترع الآلة البخارية في نظره هو الأعظم على مستوى العالم؛ لأن صديقي يعشق كُل ما له علاقة بالاحتراق والبخار والدُخان كما هو واضح، المُهم أجبته بما أزعجه وأقحم الندم لقلبه وقضى على عشمه العريض بأنني مليش أصدقاء في كامبريدچ كما يتصوَّر، وأن هذه الأخبار والڤيديوهات منشورة على المواقع المُتخصصة، ولم تأتني حصريًا من عميد كلية علوم كامبريدچ أو أمين معاملها كما يمكن له أن يتصوَّر، واختتمت تلك الجزئية بقولي "هو أنا لو ليَّا أصحاب في كامبريدچ كان زماني قاعد جنبك على قهوة في الوايلي؟!"

وفيما يبدو أن سؤالي الأخير أقنعه بأن أفضل ما يفعله هو الاستغراق في حرق المعسل لصالح صدره، لا لصالح البيئة المسكينة بعد أن يضيع بدخانه هدرًا أثناء مُناقشة عقيمة معي، فلزم الصمت تمامًا وهو يعب الدخان عبًا ليحبسه داخل قفصه الصدري ورئتيه، فيما أنا أحدثه دون أن يمنحني أي اهتمام "تفتكر مستقبل الخرفان الذكية دي هايبقى إيه؟ يعني هل مُمكن يحلوا محل الخرفان الغبية؟!"

لم يرُد، وواصلت أنا بعدما بدأت عرض الڤيديو مُجددًا أمامه لعله يجاريني في الحديث بدل ما أكلِّم نفسي ع الفاضي للصبح، وكان صاحب المقهى مشغولًا بتقليب المحطات الفضائية تباعًا على الشاشة الضخمة بحثًا عن مباراة لريـال مدريد، أو فيلم لـ(مونيكا بيلوتشي)، قبل أن يتوقف للحظة على صورة قناة عليها مذيع بيتكلِّم عن مصر، وبيزعَّق، وبيشتم، وبيبرَّق، وبيهز راسه بطريقة غريبة جدًا كأنها "راس خروف" مذبوح هتقع من فوق رقبته، وغمغم صاحب المقهى "الله يحرق ال جزيرة على مكملين على جربانين، قنوات كُل اللي فيها خرفان"، وقام بتغيير المحطة مُجددًا ليستقر على فيلم لـ(إسماعيل ياسين)، وصديقي يستفيق ليحادثني متهكمًا "يا ابني سيبك من كامبريدچ والهَبَل بتاع الأجانب ده، إنت شوفت بنفسَك العيِّنة والمعلم بيقلِّب في التليفزيون، الخرفان كُلها غبية، شوفت الغباء بيطُل من عينين الخروف المدبوح إزاي؟!"

قبل أن أستوعب المرافقة، واصل هو ومن الواضح أنه كان قد نجح في تعمير الطاسة تمامًا، ونسى ندمه على الهدر الدُخاني الذي يضيع منه في خرم الأوزون "ياريت بتوع كامبريدچ ياخدوا بتوع قطر وتركيا دول بعثة عندهم ويحاولوا يستخرجوا منهم أي ذكاء، قال إيه الخروف في بريطانيا بيفرَّق بين (فيونا بروس) و(إيما واتسون)، طب عليَّا الطلاق مستحيل تلاقي خروف من دكهمة يقدر يفرَّق بين الهرم وفُرشة الشعر!".
الجريدة الرسمية