رئيس التحرير
عصام كامل

«عزة» و«سعاد».. وسفاحة الأطفال


انتفض المجلس القومي للمرأة، وغيره من الجهات المهتمة بالشئون النسائية عندنا، احتجاجا على تقرير، صدر عن المؤسسة الخيرية التابعة لمؤسسة "طومسون رويترز" الإخبارية، يزعم أن القاهرة تأتي على رأس قائمة أكثر 10 مدن خطورة على النساء في العالم بسبب التحرش، والحق أن أحوال المرأة في مصر تعاني كثيرًا من الأوضاع الصعبة، ومع ذلك فإن المجلس لا يكترث بتلك الحالات، ولا يلقي لها بالًا، رغم كثرتها، حتى صارت تمثل ظواهر مأساوية.. الفقر والجهل والمرض والبطالة عوامل مشتركة بين أفرادها.

وللمجلس المعني بشئون المرأة في مصر أهدى 3 وقائع مأساوية، تكشف أن أحوال المرأة في بلادنا أسوأ مما نتصور.

الحالة الأولى، لسيدة في العقد السابع من عمرها، تدعى سعاد فهمي، وحسب "الوطن"، فإن السيدة السبعينية تخرج يوميًا من بيتها في طريقها للسوق، لا لتشتري ما يحتاجه بيتها، بل لتجمع بقايا الخضراوات والفاكهة المتناثرة على الأطراف، وتحت عربات الباعة.. لصنع وجبة غذائها: «أحسن ما نموت من الجوع»، على حد قولها.

تحمل بضاعتها على ظهرها مع أذان العصر، متوجهة لمنزلها في مساكن الزلزال بالمقطم، تضع كل ما جنته أمام زوجة ابنها الأكبر الذي يعمل سائق «توك توك» وتقول: «يوم يشتغل ويوم لأ»، لتختار منه ما ستطهوه: «ربنا رزقني بيها بتوضّب كل حاجة وبتغسلها كويس، مابتتبطرش على حاجة، إللي بجيبه بتاكل منه».

كان لها من الأبناء ثلاثة، الأصغر منهم، إسلام، فارق الحياة قبل 4 سنوات، بعد سقوطه من الطابق الخامس وتقول: «كسرني، مبقاش يهمني أي حاجة، لا أكل ولا شرب ولا عيشة»، تحصل سعاد على معاش ضئيل، 520 جنيهًا، لا يكفي احتياجاتها اليومية أو مصاريف علاجها بعد أن أصيبت بـ«رعشة» عقب وفاة ابنها، لكنها تحلم بـ«عمرة» تهوّن عليها شقاءها وتطيّب خاطرها، قائلة: «ربنا خلقني شقيانة.. نفسي أزور النبي عشان أدعي للغالي».

أما عزة، الشهيرة بـ"أم شادي"، فتجوب شوارع وأزقة "السيدة عائشة"، لتوزع الأنابيب على عربة تتحرك بالكاد خلف الحمار الذي يقاوم عوامل الزمن والحرمان مثل مالكته.. يبدأ يومها في السادسة بعد الفجر، ويستمر حتى أذان العشاء، مهنة شاقة كان نتاجها شرخًا في ظهر السيدة الستينية، لكنها مضطرة للعمل لتوفير مصروفات أسرتها، بعد مرض زوجها وإعاقة ابنها الأكبر وتقول: «رابطة حزام على ضهري عشان أقدر أمشي»، تصعد لطوابق مرتفعة، تكتم بداخلها آلامها.

هذا عن وضع المرأة في القاهرة وضواحيها.. أما عن الأقاليم والأرياف فحدث ولا حرج.. حيث يسيطر المنطق الذكوري على كل شيء.. التصرفات.. المعاملات.. المواريث.. التعيينات... وغيرها.

في أقصى الصعيد، في إحدى قرى جنوب محافظة سوهاج، راح أربعة أطفال أبرياء ضحايا الموروثات البالية.. سيدة تدعى حنان هاشم محمد «32 سنة».. لم تفلح في إنجاب طفل ذكر لزوجها الذي يعمل في إحدى الدول العربية وتتعلق أمانيه بإنجاب «الولد» جريا على العادات الذميمة في الصعيد، فبعد إنجاب الأنثى الرابعة، كان الانفصال تنفيذا لقرار حماتها الذي أملته على الزوج، فما كان من "حنان" إلا أن انتقمت من العائلة كلها شر انتقام عندما استدرجت ابن شقيق زوجها وخنقته، وألقت جثته في بيارة الصرف الصحي بالمنزل واتهمتها حماتها بأنها هي وزوجها وراء اختفاء حفيدها بسبب الغيرة التي كانت ظاهرة عليها لأنها لم تنجب ذكرا.

وصدق أو لا تصدق، فقد اشترطت الحماة على زوجة ابنها القاتلة أن تأتيها بطفل من عائلتها لتقتله ثأرا لحفيدها، لكي يمكن أن تسمح لها بالعودة لابنها، فما كان من الزوجة إلا أنها نفذت لها رغبتها الشيطانية، فأتت بطفل وسلمته لحماتها، غير أن قتل الطفل لم يشبع رغبة الحماة، خاصة أنه ليس قريبا للزوجة القاتلة.

وفجأة، سيطرت على الزوجة القاتلة رغبة محمومة وتعطش وحشي للدماء، وفي هذه المرة كانت الضحية طفلة لم تكمل الرابعة من عمرها استدرجتها الزوجة، وتخلصت منها بالطريقة نفسها أيضا.

هل تسارع "الدكتورة مايا مرسي"، و"الدكتورة غادة والي" بإنقاذ "سعاد" و"عزة" في شيخوختهما، ويبادر بتكريمهما بعد أن لقيتا من الذل والهوان الشيء الكثير في عصر نتشدق فيه باحترام حقوق النساء؟!

وهل تقوم جهات البحث والجامعات بدراسة حالة "حنان"، والتوصل للأسباب التي حولتها إلى "سفاحة أطفال" هي وحماتها؟! أعتقد أننا لو درسنا الأوضاع والبيئة المحيطة سنخرج بالعديد من الفوائد لصالح المرأة المصرية في الصعيد، والعشوائيات والمناطق الشعبية، حيث تتشابه الظروف كثيرا.
الجريدة الرسمية