رئيس التحرير
عصام كامل

السادة المرتشون!!


في أشهر قليلة تمكنت الرقابة الإدارية من ضبط ثلاثة مسئولين كبار في منظومة الحكم المحلي، على خلفية التورط في وقائع رشوة، اللافت الآن أن المسئولين الثلاثة يشغلون مناصب عليا جدا، فالمسئولة الأولى نائبة لمحافظ الإسكندرية، والمسئول الثاني نائب لمحافظ الجيزة، والمسئول الثالث سكرتير عام محافظة السويس.


أي إن السادة المرتشين هم أصحاب المراكز القيادية التالية مباشرة للسادة المحافظين في تلك المحافظات، وربما وبحكم الأعراف السائدة في تسيير الأمور، فإن أولئك المسئولين هم الأكثر احتكاكا وانغماسا في العمل اليومي والميداني أكثر من السادة المحافظين، الذين تحول، انشغالاتهم الدائمة بالاجتماعات واللجان وبالأمور السياسية والإستراتيجية، تحول دون الانغماس في تفاصيل التفاصيل العمل داخل نطاق محافظاتهم.. السادة المحافظون أيضا غالبا ما يكونون مشغولون بالمدة التي سيقضونها على مقاعد المسئولية، فالعرف السائد أيضا أن المحافظ، أي محافظ، يقضى في مقعده فترة تتراوح ما بين عام إلى عامين على الأكثر، وبالتالي فالجاد منهم يقضى عامه الأول في استكشاف خفايا ودهاليز المحافظة التي يتولى إدارتها، وبمجرد أن يبدأ في هدم إمبراطوريات الفساد والسيطرة على مراكز الفساد والإفساد المتمركزة داخل الوحدات والإدارات التابعة، تنتهي فترة ولايته ويأتي من يخلفه، وتتكرر الوتيرة بذات السيناريو.

نحن إذن أمام أمر مزعج يحتاج إلى تأمل وتفكر عميق، خاصة ونحن نسعي لإعادة بناء البلد ومحو أي عوامل مهيئة للفساد، فنحن أمام وقائع فساد متهم فيها ثلاثة مسئولين من العيار الثقيل أو الحجم الكبير في ثلاث محافظات تعد من المحافظات المهمة، الإسكندرية والجيزة والسويس، والتزاما بعدم تناول التحقيقات الجارية حول الوقائع المنسوبة لهم أو التهم الموجهة اليهم أو التعليق عليها، فإننا وبعيدا عن القضايا محل التحقيق نتساءل عن الأوضاع في باقي هذه المحافظات الثلاث وفى باقي المحافظات المصرية على اتساع القطر المصري كله..

نسأل عن مدي تغلغل الفساد بين الموظفين ذوي المستويات والمناصب الإدارية الأقل في المدن والمراكز والأحياء، وكلها مرافق تخصص لها ميزانيات لإقامة مشروعات خدمية وٍأساسية للناس، وتقدم لها مناقصات ومزايدات وتشرف على تنفيذ مقاولات وتتولي استلام مشروعات، وتتم بداخلها إجراءات لصرف مستخلصات ومستحقات، وفى كل هذه الأمور يتقارب المسئولون والمقاولون والمنفذون وجها لوجه، أمام الناس في النور، وفى الظلام أيضا، ورغم الشكر والتقدير لجهاز الرقابة الإدارية، فإنه يجب القول على أنه مهما بلغت قدرات جهاز الرقابة الإدارية فلن يستطيع التوصل إلى كافة أو أغلبية وقائع الفساد المستشري في نطاق منظومة الحكم المحلي التي يتجاوز عدد العاملين بها أكثر من ثلاثة ملايين موظف، بالقطع ليس كلهم فسدة، ولكن نسبة ليست بالقليلة منهم متورطة في وقائع فساد ومتهاونة في الوفاء بحقوق المواطنين.

الأمر يتطلب إعادة دراسة أسلوب الترقي والتعيين في المناصب القيادية في جهاز الحكم المحلي، لابد من إيجاد آلية تضم بين ثناياها الضوابط الحاكمة لجعل الفساد في أقل نطاق، يجب أن تعتمد عملية ضبط الأداء داخل جهاز الحكم المحلي على استحداث نظم حديثة لتقييم الأداء.

نحتاج كذلك إلى دراسة تغيير نظام اختيار المحافظين المطبق منذ عشرات السنين، وثبت عدم تحقيقه أي نوع من النهوض بقطاع الحكم المحلي، وتحويله إلى جهاز لرفع مستويات الخدمات الأساسية للناس، ربما يكون مبررا اختيار بعض المحافظين من ذوي الخلفية العسكرية لتولي زمام الأمور في بعض المحافظات، ولكن لا أظن أن استمرار اختيار المحافظين من بين أساتذة الجامعات ورجال القضاء أمر مفيد، خاصة وأن الخبرات وظروف العمل الذي عاشه المرشحون من أبناء هذه الفئات لا تعطيهم الخبرة الكافية للارتقاء بالعمل المجتمعي داخل المحافظات، نحتاج إلى استحداث كيان جديد يضم كفاءات وخبرات متخصصة في العمل التنفيذي بجهاز الحكم المحلي، وشيئا فشيئا تتراكم القيادات الصالحة لتنفيذ المهام بلا أية أضرار جانبية.
الجريدة الرسمية