رئيس التحرير
عصام كامل

في معية يوسف (27)


يقال إن الأمة التي ليس لها ماض، ليس لها حاضر ولا مستقبل.. لذا، وجدنا بعض الدول تعمد إلى محاولات طمس معالم تاريخ خصومها من الأمم.. ذلك لأن استحضار التاريخ بكل أحداثه ووقائعه، يمد أصحابه بالدروس الكثيرة التي تفيدهم في حاضرهم ومستقبلهم.. وتلعب الأحداث الإيجابية دورًا في إسعادهم وإدخال السرور إلى قلوبهم.. أما الأحداث السلبية، فهي على الرغم من أنها تسبب لهم آلاما وأحزانا، إلا أن دراستها ومحاولة استخلاص العظات والعبر منها، يمثل ضرورة لازمة، حتى لا يقعوا في أخطاء سبق أن وقعوا فيها.. وقد حضنا المولى تبارك وتعالى على التعلم من سير الأولين، فقال: «أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم»..


في قصة يوسف (عليه السلام)، تناولنا في الحلقة الفائتة كيف أنه احتفى بأبويه وإخوته احتفاءً كبيرًا، حيث شعر بنعمة ربه الكبرى بعد الفراق الطويل الممتلئ حزنًا وشجنًا.. قال المفسرون: إن يعقوب (عليه السلام) أقام مع ابنه يوسف في مصر ٢٤ سنة ثم مات وكان قد أوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى يوسف بنفسه ودفنه ثمة (أي هناك في هذا المكان البعيد)، ثم لما عاد إلى مصر عاش بعد أبيه ٢٣ سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم الخالد، واشتاق إلى لقاء الله وإلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق، فقال: «رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ» أي أنعمت عليَّ نعما كثيرة، فقد هيأت لى السبيل كي أصبح في هذه الحياة صاحب جاه وعز وسلطان، بل إنك يا رب رزقتني حكمةً وعلمًا وألهمتني تفسير الرؤى والأحلام التي يعجز عن تأويلها الآخرون «وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ».. فسبحانك يا رب، أنت خالق هذا الكون ومالكه ومدبر أمره «فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ»، وأنت يا رب الذي يتولى أمري وكافة شئوني في الدنيا والآخرة «أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ»..

لذا، أسألك وابتهل إليك يا رب أن تقبضني على الإسلام، وأن تجمعني بالصالحين من عبادك «تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ»..

وإلى هنا تنتهي قصة يوسف، ثم يأتي التعقيب بعد ذلك، بإقامة البرهان على صحة نبوة محمد (عليه الصلاة والسلام)، وهو قول المولى تعالى مخاطبًا إياه (صلى الله عليه وسلم): «ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ» أي ذلك ما أخبرناك عنه يا محمد من الأمور المغيبة التي لم تكن تعلمها قبل الوحي، وها نحن نعلمك بها على أحسن وجه وأصدق بلاغ، تأكيدا على نبوتك وصدق رسالتك..

إنك يا محمد ما كنت حاضرا مع إخوة يوسف عندما تآمروا عليه وأجمعوا أمرهم على إلقائه في غيابة الجب، وما كنت مطلعا عليهم وهم يحتالون على أبيهم ويمكرون به ليرسله معهم، وقد وقفت على حقيقة القصة كلها بوحي من الله «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ».. بعد ذلك، يقول تعالى «وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ»، أي لا بد يا محمد أن تضع في اعتبارك أن أكثر الخلق ليسوا بمؤمنين ولو حرصت على أن يدخل الإيمان قلوبهم، وأنك مهما بالغت في إرشادهم لن يكونوا مصدقين لك، وذلك لتصميمهم على الكفر، على الرغم من أنك لا تسألهم على هذا النصح والإرشاد والتوجيه أجرا «وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ».. 

(وللحديث بقية إن شاء الله).
الجريدة الرسمية