رئيس التحرير
عصام كامل

الاقتصاد.. قاطرة السياسة والثقافة


أثار فضولي لقاء وزيرة الاستثمار المصرية مع مدير بنك الاستثمار الأوروبي في مصر كريستوف لوسيت نحو الترتيب لاستضافة مصر مؤتمر تعزيز الاستثمار في حوض البحر المتوسط في ١٣ سبتمبر القادم، ولكن هل الهدف هو استقطاب المنح والقروض أم تأسيس مناخ صحي لاستقطاب الاستثمار الأوروبي نحو تنمية مستدامة؟!


أن أحد أهم الأحلام التاريخية ذات البعد الاقتصادي التي بين مصر والاتحاد الأوروبي هو الاتحاد من أجل المتوسط، الذي دعا له ساركوزي في ٢٠٠٨، بالتعاون مع مبارك، ونسق هذا التعاون الوزير محمد رشيد وكانت فرنسا ومصر هما الدولتان الرئيستان لتكوين الاتحاد، وقد انطوي هذا الاتحاد على تحالف اقتصادي ثقافي سياسي تحت مظلة win win situation، ويعمل من خلال مشروعات مشتركة، ولأسباب توازنات دولية وسياسية تم وأد المشروع، رغم أنه كان الأمل في حل العديد من الصراعات السياسية، وأهمها الصراع العربي الإسرائيلي. ولن ننسي أن ألمانيا (زعيمة الاتحاد الأوروبي) قد عارضت المشروع في بعض مراحله، وقد كانت رؤية فرنسا أن مستقبل فرنسا الإستراتيجية يكمن في جنوب المتوسط.

أما الرؤية المصرية فكانت تنطوي على أن التفاعل مع أوروبا هو مستقبل مصر، وليس فقط على الصعيد الاقتصادي وانما السياسي أيضا ثم الثقافي، لما تتمتع به أوروبا من ثقافة قادرة على خلق ثقافة العمل والإنتاج ، وتطوير الإبداع الذي يمثل عَصّب الاقتصاد الأوروبي، وليس استهلاك الموارد الذي هو النموذج المطروح في دولة الجوار (دول الخليج مثلا)، أيضا تمتلك الثقافة المصرية من الثراء ما يؤهلها لتشكل قطبا للشراكة الفعالة، ولن ننسي أن محمد على حقق نجاحه من دمج الثقافة المصرية بالأوروبية، واستطاع بناء مصر الحديثة وقضي على الأمراض المجتمعية التي كانت مسيطرة وقتها.

اكتب مقالي هذا من مدينة الإسكندرية الأقدم في البحر المتوسط، والتي كانت وما زالت المدينة الكوزموبوليتانية كبوابة انصهار ثقافات الشرق والغرب ومن رحمها تخرج فلاسفة الثقافة الأوروبية الأوائ،ل لذا فليس من الغريب إعادة إحياء مصر كبوابة للشرق وأفريقيا نحو أوروبا.

إن علماء الاقتصاد لا يرون الاقتصاد مجرد أرقام وأرصدة وإنما التنمية الاقتصادية هي إبداع حضاري له أساس ثقافي وبعد سياسي وحراك مجتمعي موازٍ يؤسس لتنمية بشرية فعالة، ولعل نموذج التنمية في الإمارات هو خير مثال عن علاقة الاقتصاد بالثقافة والسياسة، وهكذا كان منهج الليبرالية (السوق الحر) أو الاشتراكية كاقتصاد وسياسة وثقافة على مر التاريخ، ولا يمكن اختزاله في أحد المحاور وإلا لن تتحق التنمية المنشودة على المدي الطويل.

إن التنمية الاقتصادية الحقيقية لن تتحقق إلا بالاتجاه غربا، لأن الشرق الأقصى (الفقير) لا يملك مقومات التنمية منفردا، وإنما هو مجرد مصنع للعالم حتى الآن، ويرتكن دوما على الغرب، حيث منبع الإبداع العلمي والتكنولوجي مع دخول العالم في الثورة الصناعية الرابعة، حيث الإنترنت والذكاء الصناعي، واليوم قد تكون متغيرات الساحة الدولية تمثل فرصة نادرة لمصر لتحقيق تحالف ونموذج تنمية حقيقية في الشرق الأوسط.

لذا يجب أن تدرك وزارة الاستثمار بل الوزارات كافة الإحداثيات لتعديل البيئة الثقافية والسياسية في قلب المجتمع المصري، بالتوازي مع تنمية بشرية فعالة نحو تأسيس مناخ يضمن نجاح حلم الاتحاد من أجل المتوسط، بالتعاون مع دول العالم المتقدم، نحو تنمية الاقتصاد المصري كمشروع قومي، يزيد أهمية عن أي مشروع قومي سابق وألا تكون هذه المؤتمرات تهدف للمنح والقروض بقدر ما تؤسس لتنمية اقتصادية مستدامة.
الجريدة الرسمية