رئيس التحرير
عصام كامل

حوافز قتل المواطنين !


تسيطر حالة من الارتباك الشديد على حركة القطارات بمحطة مصر؛ بسبب امتناع الكثير من سائقي القطارات عن العمل، واعتصامهم لتنفيذ مطالبهم الفئوية الخاصة بشأن زيادة الحوافز المقررة لهم والأرباح مع وضع بنود للصيانة، كما يطالبون بالإفراج عن زملائهم المتهمين في حادث تصادم قطاري الإسكندرية، ولن نشير هنا إلى تلك الأصابع العابثة من الإخوان الإرهابيين والمستفيدين من تهييج الشارع والإضرابات المختلفة التي تظهر في وقت متزامن، وبنفس المطالب تقريبًا، وفي مهن مختلفة مثل عمال غزل المحلة وسائقي القطارات والبقية تأتي من خلال السيناريو المحكم الموضوع، والذي لا نرى أي عمق أمني في فهمه، ولا حتى ربطه بتضييق الخناق على دولة الإرهاب في العالم قطر، والتي تريد أن تنتقم من مصر، ولها بالطبع عملاؤها من الإخوان وغيرهم المنتشرين في مصر، والذين يقومون بتنفيذ أوامر رعاة الإرهاب في قطر من خلال المهن البسيطة والأفراد ذوي الثقافة الضحلة.


وبغض النظر عن ذلك السيناريو فإننا نتعجب من بجاحة هؤلاء السائقين الذين يطلبون بالحوافز المختلفة في وقت يدينهم فيه كل المصري ويتهمهم بالتقصير في عملهم، وتسببهم في قتل المئات من المواطنين في وقت قريب، ولا نعرف على أي شيء تكون هذه الحوافز؟ هل لها بند خاص جديد وهو بند توصيل المواطنين للآخرة بأسرع طريقة، وبالتالي يسهم هؤلاء في خفض السكان، مما يحل مشكلات كثيرة تواجه مصر؟!

هم بذلك يستحقون حافز قتل المسافرين بجدارة، فيوميًا تقريبا نرى حوادث القطارات بصورة غريبة ومريبة، ويدعي هؤلاء أن السبب تهالك القطارات والإشارات، لكن ليكن حادث قطاري الإسكندرية الأخير مثالا، والذي راح ضحيته عدد كبير من المواطنين، فما حدث هو أن القطار رقم 13 إكسبريس "القاهرة- الإسكندرية" صدم مؤخرة قطار 571 "بورسعيد -الإسكندرية" بالقرب من محطة خورشيد، حيث كان القطار الأخير متوقف لعطل به، وقد ادعى السائق أنه لم يتجاوز السرعة المقررة، ولم تعطه السيمافورات "الإشارات" أي إشارة لوجود قطار أمامه، لكن على أرض الواقع أكد الركاب سير القطار بسرعة عالية جدا، وبالطبع لو كان يسير بسرعة معتدلة لرأى القطار أمامه من مسافة بعيدة، كما أكد مراقبا برج محطة "أبيس" ومراقب برج محطة "خورشيد" أن السيمافورات كانت تعمل جيدا، وتعطى إشارة حمراء تفيد وجود قطار آخر شاغل السكة أمام السائق، لكنه لم يلتزم وينتبه بهذه الإشارة وتجاوز إشارتين كانتا تعطيان تحذيرًا له بالتوقف.

والأغرب أن ذلك السائق الذي يطالب زملاؤه بالإفراج عنه، وتم إعطاؤهم معه حوافز وأرباح تسبب في حادث عام 2013 عندما كان يقود القطار رقم 686 على خط إيتاى البارود ـ القاهرة "خط المناشى"، حيث تسبب في خروج قطاره عن القضبان في أوسيم بعد تجاوزه للسرعة، وأنه معروف بين زملائه بأنه كثيرا ما يفصل جهاز "إيه تى سى" المسئول عن التحكم في مسير القطارات حتى يتمكن من القيادة بسرعات كبيرة، ولا يكون محكومًا بأجهزة السيمافورات التي تجلعه يربط آليا في حالة محاولته تجاوز السرعة المقررة، وأنه كان يعمل سائق قطار بضائع قبل العمل على قطارات الركاب.. فهل سائق مثل هذا يستحق الحوافز "سوى حوافز القتل طبعا"؟ فهل يستحق مطالبة زملائه بالإفراج عنه؟ وهل لا يجد السائقون بعد هذه الحوادث المشينة حرجا في طلب حوافز وأرباح؟

نحن هنا لا ندعي أن السكك الحديدية في أفضل أحوالها، بل نرى أنها تحتاج إلى تطوير وإنفاق ضخم، وطبعًا سيصرخ البعض إن تم زيادة تذكرة القطارات، وفي الوقت نفسه يطالبون بتطوير القطارات وتكييفها على حساب صاحب المحل ! دون أدنى تضحية، فالتكية المصرية يجب أن تستمر للأبد دون حتى محاولة الحفاظ على المرافق العامة أو تخريب القطارات بالإهمال والعبث.. المهم أننا نطالب كذلك بوجود خطة شاملة لتجديد منظومة السكة الحديد، وعلى رأسها منظومة الأمن والسلامة، وتطوير كل ورش الهيئة من خلال منظومة متكاملة بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية، من خلال لجنة فنية عالية المستوى من جهات الدولة المعنية، وتحديث نظم الإشارات لتحويلها إلى كهربائية، بالإضافة إلى دعم أسطول الجرارات بجرارات جديدة.

وهذه الخطة الشاملة هي ما تم وضعه والإعلان عنه مؤخرا من قبل وزير النقل الذي أوضح أن جميع قيادات السكة الحديد سيتابعون دوريا كل قطاعات التشغيل، وأنه أصدر أوامر مشددة على كل نواب الهيئة، بالوجود في مواقع العمل والورش المختلفة، واستصحاب القطارات للمتابعة المستمرة للمشكلات التي تواجه مسير القطارات، كما أكد على عدم خروج أي قطار من الورشة إلا بعد أن يكون سليم تمامًا من الناحية الفنية، لافتا إلى أنه أمر بتشكيل لجنة فنية لمراجعة الحالة الفنية لأنظمة التحكم الآلي بالجرارات والخطوط، خاصة خط بني سويف الجيزة.

لكننا نؤكد أن أي تطوير في الهيئة لن يؤتي ثماره في ظل منظومة من السائقين تمارس التهور في القيادة، وتتعامل بنظام الفهلوة حتى لا يتم كشف ما تفعله من تلاعب بأجهزة القطار الحديثة التي ترصد السرعة، كما أن الحال لن ينصلح إلا إذا وضع السائقون مصلحة الوطن العليا وأمن المواطنين فوق مطالبهم الضيقة، والأبواق التي تمارس أدوارا سياسية من خلال هؤلاء السائقين الذين يطالبون بحوافز وأرباح وهم يتسببون برعونتهم –قبل أي شيء– في الحوادث الجمة والكبيرة، والخسائر الضخمة للقطاع الذي يعملون به.
الجريدة الرسمية