رئيس التحرير
عصام كامل

بناء الأوطان بين مصر وألمانيا


"المستحيل ليس ألمانيا" هكذا كتب الألمان على جدران منازلهم المهدمة فور إعلان انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبدون الخوض في نقاشات سفسطائية لمن المسئول عن الهزيمة، ولم يقم الشعب الألماني بمقاومة جيوش الحلفاء التي اقتسمت ألمانيا بشطريها الشرقي والغربي، ولكن قبلوا بالأمر الواقع، وبدأ الشعب في تضميد جراح من كسرتهم المعارك من جنود ومواطنين، وأعلنوا تجريم الفكر النازي واعتبروا أن المعركة هي بناء وطن وليس بالحروب والعنف ضد الإنسانية، واستطاعوا المصارحة مع الذات وبعد عقود استطاعت ألمانيا أن تثبت أن شعبها العريق قادر أن يحقق المعجزة بأن يكون رابع اقتصاد في العالم وتكون ألمانيا قائدة الاتحاد الأوروبي.


لم يعمل المعارضون أو المؤيدون لهتلر على صناعة بطولات زائفة أو صياغة خطاب حنجوري بل اتجهوا للتعاون مع مشروع مارشال الذي قدمه الأعداء السابقون! وكان المشروع لكل الدول المهزومة، ولكن ألمانيا هي أكثر الدول التي حققت نجاحا بالعمل الدءوب وبالبحث العلمي والتعليم القائم على أيديولوجية عصرية تحقق انتماءً وطنيًا ولبناء وطن منهار، بسبب أيديولوجيات مجدت العرق الآري على باقي البشرية بما سبب هزيمة وانكسار، ولكن لم تكن هي النهاية وإنما كانت بداية بناء مجتمعي عصري وثقافي تحقق اقتصادا مستقلا رائدا في العالم أجمع.

من هزيمة ألمانيا إلى تربع الإخوان على السلطة وتفكك مفاصل الدولة المصرية.. لماذا لم يتحرك الشعب بنفس النمط.. بالطبع أن الانكسار المصري كان أقل وطأة، ولكن لماذا لم ينتفض الشعب نحو معركة الإنتاج بعد نجاح ٣٠ يونيو؟!

نعود قليلا إلى هزيمة ٦٧ التي انهارت فيها أوهام القومية العربية، ولكن استطاع رجال النظام مثل هيكل في صياغة خطاب عبقري استطاع حشد الجموع لمطالبة عبد الناصر بعدم التنحي، وسُميت الهزيمة بالنكسة، وظلت الجموع في غيبوبتها ولكن على الجانب الآخر حقق الجيش معجزة مصرية خالصة في ٧٣ بعيدا عن غيبيات وأساطير السياسة بالعمل والجهد وبناء الروح المعنوية وتحقيق مبادئ المساواة والمواطنة نحو ابتكار حل علمي لقهر خط بارليف بعبقرية فذة، وعاد الشعب يهتف ويغني، ولكنه لم يشارك في المعجزة عدا من تلامس مع القطاع العسكري بل ظلت نفس الأساطير تنسج للشعب ولم تدر عجلة الإنتاج أو الاعتماد على البحث العلمي والتعليم الحديث في المجتمع حتى في أوج النكسة وظلت المعجزة حبيسة المؤسسة العسكرية.

من خطابات الرئيس عبد الفتاح السيسي نجد أنه يعمل على تحفيز الشعب المصري نحو العمل والإنتاج لبناء اقتصاد وطني، ولكن للأسف هناك معوقات وأساطير يجب مواجهتها مجتمعيًا ما بين اشتراكية عبدالناصر بكل أساطيرها إلى تسكين الأمراض في عهد مبارك، ولعل أبرز ما يدور حوله النقاش المجتمعي هو قرار رفع الدعم الذي لا يحظى بمباركة شعبية لعدم وجود وعي أو نقاش موضوعي حول مصلحة الوطن والمجتمع وليس مصلحة الفرد فقط.. لأن لعقود طويلة كانت المعجزات الوطنية من فعل المؤسسة العسكرية والمسكنات كانت نصيب الشعب.

يجب أن تدرك مصر حكومة وشعبا أن التحدي القائم لتطوير وبناء الوطن بما يناسب التقدم العلمي في عصر العولمة لن يتحقق الا بانتقال روح الإنتاج والاعتماد على التعليم والبحث العلمي إلى الشعب المصري من المؤسسة العسكرية لتحقيق المعجزة الاقتصادية وليس بالشعارات والخطب الحنجورية، ولكي نقدم قيمة مضافة للحضارة الإنسانية، يجب أن ندرك أننا جميعا كنا سببا بشكل أو بآخر في نمو الإخوان وتحول مصر لدولة هادمة للحضارة الإنسانية بل مازلنا للأسف نصدر الدواعش للعالم بالفكر وباليائسين المخدوعين وأننا لا نملك من الفكر القادر على بناء حضارة حديثة كما استطاع أجدادنا الفراعنة سابقا بناء أول حضارة في التاريخ.

إن التاريخ يثبت أن الفكر الناصري أو مسكنات مبارك لم تحقق بناء دولة حديثة مستقرة... الروح الوطنية ليست بالخطب وإنما بالإنتاج.. نحن بحاجة لمراجعة الذات كما فعلها الألمان.. استلهاما من الذين حققوا نصر ٧٣.. اقرأوا ما بين السطور في خطابات الرئيس الذي يصر أن يخاطب الشعب بلغة عامية وكأنه يقول لست زعيما أسطوريا لشعب من الدراويش وإنما مصري مجتهد وانتهى عصر الأساطير في عصر التكنولوجيا والعلم والمنطق.
الجريدة الرسمية