رئيس التحرير
عصام كامل

«علي نهضة».. وإعلام الفضائح


كثير من المصريين، يحيون بعيدا عن دائرة الضوء.. يصنعون معجزات أكبر بكثير من تلك التي تسلط وسائل الإعلام الأضواء عليها، وتصنع من خلالها رأيا عاما تافها، ولا يهتم إلا بسفاسف الأمور، وأخبار النميمة، وفضائح النجوم.


يكفي ما تناولته وسائل الإعلام والصحف عن حادث وفاة الراقصة "غزل"، وخناقة شيرين عبد الوهاب مع "الهضبة".. واهتمام الجرائد والفضائيات الشديد بهزائم الأهلي والزمالك في البطولة العربية، وتحويلها إلى كارثة.

نترك كل ذلك، لأشيد بالإعلام التنموي، والإنساني الذي يقدمه طارق علام.. في معظم برامجه يهتم طارق بالجوانب الإنسانية والاجتماعية؛ مما يضفي عليه ميزة مفتقدة في معظم البرامج، وفي السياق المتميز، بعيدا عن اللهاث خلف الفضائح، والنميمة، والإثارة، والتهييج، تأتي الإعلامية ألفت مصطفى، التي تقدم برامجها على موجة الإذاعة التعليمية بالإذاعة المصرية، ويوم الأربعاء الماضي قدمت ألفت فترة مفتوحة من إعدادها، استضافت خلالها "علي نهضة".

"علي نهضة" هو اسم الشهرة لمواطن مصري، يعيش على ضفاف النيل مثله الآلاف، تزدريهم العيون، ولا نفتقدهم إن غابوا، ولا نَهشّ لهم إن حضروا.. على الهامش مكانهم دوما.. لا يطلبون الشهرة، ولا يسعون للأضواء.. لكن لو كان ميزان الإعلام معتدلا لهرولت نحوهم الفضائيات، وتسابقت إليهم الصحف.

اسمه "علي محمد حسن.. وشهرته "نهضة"؛ لأنه يقيم في شارع النهضة بمحافظة الإسكندرية.

يقول عن نفسه: "أعتز باللقب لأني نهضت بنفسي.. أنا لم أحصل على شهادة مطلقا، ولم ألتحق بالمدرسة نهائيا.. فأنا من أسرة فقيرة جدا.. ووعيت على الحياة، وأنا أرى أبي قعيدا، وطريح الفراش، وحولي أسرة كبيرة، مكونة من ثلاث من البنات وأخ.. ولذلك كان طبيعيا ألا ألتحق بالمدرسة بسبب هذه الظروف التي اضطرتني للعمل، ولم أتجاوز خمس سنوات.. وفي الحرفة التي التحقت بها كان أبناء صاحب العمل يذهبون للمدرسة، وعندما يرجعون يعلموني ما تلقوه، واستمررت على هذه الحالة، مرحلة مرحلة، أعلم نفسي وأثقفها.. أثناء العمل".

يضيف: "قرأت في الفضاء، والرياضة، والفيزياء، وكل العلوم، والشعر.. إلى أن اكتشفت موهبتي الشعرية؛ كتابة وإلقاء، وكتابة السيناريو.. وليس ذلك فقط لكني أحول أي أغنية أو أي حدث أو موقف يحدث إلى قصيدة شعرية.. العلم هو أن نحب العلم للعلم، وليس للحصول على الشهادة، كما هو حاصل الآن".

وعن فترة الشباب، يحكي: "لم أحاول الالتحاق بفصول محو الأمية، ببساطة لأني لم أسمع عنها.. عملت و"استورجي"، و"نقاشا".. ولم أنس موهبتي.. لجأت لمراكز المبدعين والمبتكرين أكثر من مرة، وتم اختباري، ونجحت، ولكن لم يساعدني لأنني لم أكن أحمل أي شهادة.. حاولت مقابلة الفنانين والمنتجين للتعاون معهم في الأغاني والسيناريوهات، ولكنهم كانوا ينظرون إليّ باشمئزاز؛ بسبب بقايا الدهانات على أظافري، وآثار عملي كنقاش وأستورجي في أصابعي.. وقررت أن أترك هذه المهنة، وأبحث عن سبيل آخر، ووجدت ضالتي عندما قرأت في إحدى الجرائد عن مكان يطلب "مسوقين"، فذهبت إلى هناك واشترطت على من استقبلني أن أقابل المدير للتحدث معه، وبالفعل قابلته ورويت له الحقيقة كاملة".

كان من الطبيعي أن يرفض المدير إلحاق "نقاش" و"استورجي" لا يحمل أي شهادة بالعمل كمسوق.. لكنه فوجئ بـ"علي نهضة" يطلب إخضاعه لاختبار بأن يعمل 3 أيام مجانا، بدون أي مقابل، ويتم تقييم نتيجة عمله في نهاية الأيام الثلاثة.

يستطرد: "وافق المدير.. وعملت وحققت نجاحا مذهلا.. وها أنا وصلت إلى منصب "مدير تسويق"، ويعمل تحت يدي حاصلون على مؤهلات عليا".

من يكشف النقاب، وينفض الغبار عن أمثال "علي نهضة"، وهم، بكل تأكيد، ألوف في مصر، ومن حقهم الإنصات إليهم، والاستفادة بتجاربهم في نهضة مصر.. الحل في إعلام واع، عاقل.. يبحث عن الأمل، والنماذج الناجحة، وينظر دائما إلى نصف الكوب الملآن.
أتمنى أن تصل الرسالة إلى نقابة الصحفيين، واللجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين، والهيئة الوطنية للصحافة، والمجلس الأعلى للإعلام.

الجريدة الرسمية