رئيس التحرير
عصام كامل

ولنا أيام في صالون جمال!!


المعرفة هي الثروة، تلك هي الحقيقة التي آمنت بها الدول الكبرى، وكانت سببا في تقدمها ونهضتها، فالشعوب المثقفة لا خوف عليها، فحينما تعلم أن متوسط قراءة المواطن الياباني 80 كتابا في العام، والمواطن العربي نصف كتاب، فسوف تكتشف لماذا هم تقدموا ولماذا انحدرنا.. فالفارق في الثقافة والمعرفة بين اليابان والعرب هو نفس الفارق تقريبا في التقدم الصناعي والتكنولوجي والاقتصادي، فالثقافة عندهم ليست مجرد حشو معلومات مثل التعليم عندنا، الثقافة مثل التعليم عندهم تبني الإنسان الذي يبني الحضارة والمشروعات ويحافظ عليها.


الثقافة عندنا أصابها التدهور الذي حدث في كل المجالات، فتراجعت إلى أدنى مستوياتها لدرجة أن وزارة الثقافة نفسها أصبحت مجرد موظفين لا مبدعين، باستثناء بعض الأنشطة الفنية لدار الأوبرا ومعظمها بتذاكر غالية الثمن، حتى صالون الأوبرا الثقافي الذي كان يعقد أسبوعيا ويستضيف عمالقة العلم والسياسية والفكر والأدب في مصر والعالم والوطن العربي، وكان جمهوره بالآلاف من كل المحافظات والأعمار، هذا الصالون اختفى وذهب بلا عودة، كذلك معظم الصالونات الثقافية الخاصة في تلاشي رغم أنها كانت قليلة.

من هنا تأتي أهمية الصالون الثقافي للدكتور أحمد جمال الدين موسى وزير التربية والتعليم والتعليم العالي الأسبق، والذي على وشك إكمال عامه الثاني، هذا الصالون الخاص يضم نخبة من المفكرين والكتاب والأدباء والمسئولين السابقين والحاليين وأساتذة الجامعات والخبراء يجمعهم حب الوطن والتطلع إلى نهضته وتقدمه، كل القضايا التي يتناولها تحمل هموم الوطن والمواطن واحلامه وطموحاته في مستقبل أفضل، مثل قضايا التعليم والصحة والصحافة والإعلام واللغة العربية وعلاقة العرب بالغرب وتكنولوجيا المعلومات وغيرها من القضايا المهمة، وكان آخرها قضية "تأثير التغييرات المناخية على وادي النيل وخاصة منطقة الدلتا" بحضور نخبة من خبراء الجيولوجيا والفضاء والاستشعار من بعد. 

وقد أجمع الخبراء على أن هناك تغييرات مناخية حدثت نتيجة التلوث الناتج عن الثورة الصناعية، أدى إلى ارتفاع في درجات الحرارة وتسبب في إذابة الجليد في القطب الشمالي، وسوف يكون له تأثيرا سلبيا على منطقة الدلتا من خلال ارتفاع منسوب مياه البحر وغرق المحافظات الساحلية، وأيضا تأثيرا سلبيا على الأراضي الزراعية بعد غرقها بمياه البحر المالحة، هذا قد يحدث خلال سنوات قد تطول أو تكثر ولكن المهم هل هناك استعداد مصري له حتى لو جاء بعد 50 سنة؟ الإجابة بالطبع لا.

الخبراء اتفقوا على ضرورة الحفاظ على البحيرات المصرية لأنها حماية طبيعية لنا من الغرق فسوف تمتص المياه، كما طالبوا بضرورة الاهتمام بالطريق الساحلي الدولي، وتأهيله حتى يكون حائط صد صناعي أمام ارتفاع مياه البحر، وحذر العلماء من تجريف الرمال عند منطقة كفر الشيخ لبناء قرى سياحية فالخسارة مزدوجة، لأن هذه الرمال بمثابة مانع طبيعي أمام ارتفاع مياه البحر كما أنه إهدار للمليارات في بناء قرى سياحية في منطقة قد تجرفها المياه إذا تعرضت للغرق.

الدراسات كثيرة في هذا المجال وغيره، والحلول موجودة لكل المشكلات، ومصر لا ينقصها العلماء والخبراء، ولكن ستظل مشكلتنا الأبدية هي عدم إيمان الدولة بأهمية البحث العلمي، والانفصال التام بين العلم والإدارة، وأن أبحاث العلماء ستظل حبيسة الأدارج حتى تأكلها الفئران مع استسهال استيراد التكنولوجيا من الخارج.

يتبقى القول إن صاحب الصالون، د أحمد جمال الدين، قبل أن يكون أستاذا جامعيا تدرج في السلم الأكاديمي حتى أصبح رئيسا لجامعة المنصورة، هو أيضا كاتب وروائي له العديد من المؤلفات، منها "لقاء في واحة الحنين"، "فتاة هايدلبرج الأمريكية"، "كيفية إصلاح مؤسسات الدولة"، حيث يرى أن أزمة مصر الحقيقية في ضعف مؤسساتها الكبيرة والصغيرة، وهذا موضوع غاية في الأهمية يحتاج إلى تفاصيل أكثر في مقال آخر.
 
أتمنى أن يعود لمصر دورها الثقافي والتنويري في المنطقة، فالثقافة ليست فقط قوتنا الناعمة بل أكبر سلاح للقضاء على الإرهاب والفقر والجهل والمرض.. واللهم احفظ مصر
egypt1967@yahoo.com
الجريدة الرسمية