رئيس التحرير
عصام كامل

الشيطان في مصر


مطلوب رد موثق من وزارة الزراعة؛ هل الكارثة أو الجريمة، لا تزال مستمرة، أم انتهت تماما؟!

وأعني بما تقدم موافقة وزير الزراعة الأسبق أمين أباظة، عام 2008، على السماح بدخول شحنات من منتجات «مونسانتو» من الذرة المعدلة وراثيا «التقاوى» إلى مصر.. ورغم الحملة الشديدة التي قادها نشطاء ضدها فإن الأمر طواه النسيان بعد يناير 2011 حتى الآن.


"مونسانتو"، التي أطلقوا عليها اسم "الشركة الشيطانية" ليست مجرد شركة، بل إمبراطورية اقتصاديةً، تتحكّم في كل منتجات العالم الزراعية تقريبًا، وتمتلك أكثر من 70% من أسواق البذور، وعلاقات جيدة مع عدد من حكومات العالم.

تأسّست "مونسانتو" عام 1901 لتصنيع المواد الكيماوية، وكانت إحدى الشركات التي أجرت أبحاثا لتصنيع القنبلة الذرية خلال الحرب العالمية الثانية، كما أدارت معملًا نوويًا للحكومة الأمريكية إلى أواخر الثمانينيات.

وكان أبرز الأنشطة التي سلطت الضوء على الشركة في الماضي هو مساهمتها في إنتاج المادة الكيماوية "العامل البرتقالي Agent Orange"، التي استخدمتها الولايات المتحدة في الحرب على فيتنام؛ لضرب المحاصيل؛ ليثبت لاحقًا أن قوة هذه المادة التي أنتجتها الشركة كانت تفوق قوة المادة نفسها التي أنتجتها الشركات الأخرى بألف مرة؛ أي أن تركيز المواد السامة في هذه المادة، وهي الديوكسين، كانت أعلى.

وعرضت مادة "العامل البرتقالي" نحو 3 ملايين شخص في فيتنام للتلوث بالديوكسين، وأدت إلى تشوهات خلقية لدى ما يقارب 500 ألف طفل. وواجهت الشركة عام 1978 دعوى قضائية أقامها مجموعة من العسكريين الأمريكيين المتقاعدين الذين شاركوا في الحرب ضد فيتنام؛ بسبب تعرضهم لهذه المادة، التي أصابتهم بأمراض متعددة، وانتهت القضية بتقديم تسوية مالية لهم.

وقام مجموعة من المحامين الأمريكيين عام 2004 برفع دعوى ضد الشركة في المحاكم الأمريكية، ووجّهوا لها تهمة خرق القانون الدولي، وارتكابها جرائم حرب، لكن الدعوة أُسقطت؛ لأن الحكومة الأمريكية هي التي عيّنت الشركة لصناعة هذه المادة. وتورّطت الشركة أيضًا مدة 50 عامًا في صناعة المواد الكيماوية المعروفة بالـ PCBs، وهي زيوت تبريد كانت تستخدم في كثير من الأجهزة الإلكترونية إلى أن حُظرت عام 1979 بعد أن ثبتت خطورة أثرها في البيئة والإنسان.

وبقيت ملفات الشركة حول عملياتها في تصنيع هذه المواد، سريةً إلى عام 2001، عندما تقدم 20 ألف أمريكي من آنستن بولاية ألاباما، حيث كانت الشركة تشغّل مصنعًا لصناعة هذه المادة، برفع دعوى ضد الشركة بسبب الأمراض التي أصيبوا بها، والتشوهات الخلقية التي لحقت بأطفالهم.. وعندما جلبت المحكمة ملفات الشركة تبين أن الدراسات التي أجرتها داخليًا كانت تؤكد الآثار الخطيرة للمواد التي تنتجها، وأنه أُقرَّ داخليًا بتفشي المشكلة في كلّ من: الولايات المتحدة، وكندا، وأجزاء من أوروبا، لكنَّ المسئولين في مونسانتو ردّوا على هذه النتائج بقولهم: «لن نقبل خسارة دولار واحد»، واستمروا في إنتاجها، ودفعت الشركة تعويضات لبلدة آنستن وسكانها قُدِّرت بـ700 مليون دولار.

وطورت الشركة كذلك مبيدًا للأعشاب الضارة، يحمل الاسم التجاري RoundUp، وحقق نجاحًا كبيرًا في المبيعات بشكل فاق المنتجات الأخرى للشركة.. ومع سيل الانتقادات والدعاوى، التي كانت تتعرّض لها الشركة، رأت أن تغيير مجال عملها من صناعة الكيماويات إلى الزراعة سيكون مخرجًا جيدًا من المأزق الذي وجدت نفسها فيه؛ لذا أُعيد تشكيل الشركة بوصفها شركة منفصلةً قانونيًا عن الشركة السابقة، وإن ظلّت تحمل اسمها، وتحتفظ بمقرها الرئيسي، وعدد كبير من موظفيها.

أصبحت شركة مونسانتو اليوم من كبرى شركات التكنولوجيا الحيوية في العالم؛ فهي مسئولة عن 90% من العضويات المعدلة جينيًا في العالم.. وتوجد هذه العضويات أو مشتقاتها، وأهمها مشتقات الذرة وفول الصويا، في 70% من الأغذية المصنعة في الولايات المتحدة.. وتقوم بإنتاج محاصيل زراعية معدّلة جينيًا لمقاومة المبيدات.. وتتمتع هذه البذور المعدلة جينيًا بحماية "براءة اختراع"؛ فأي مزارع يستخدمها يخضع لشروط صارمة تفرضها الشركة.. وتقوم بتوظيف محقّقين، أو كما يُطلق عليهم المزارعون الأمريكيون: "شرطة الجينات"، لملاحقة أيّ شخص يخرق شروط براءة الاختراع، وجمع الأدلة ضده لتقديمها إلى المحكمة، حتى إنه يوجد نحو 140 قضية مسجلة لشركة مونسانتو ضد مزارعين في الولايات المتحدة وحدها.

وتتميز البذور التي تنتجها الشركة بقابليتها العالية للتطاير؛ إذ بإمكانها الانتقال بفعل الرياح مسافةً تقارب 800 كم خلال 24 ساعة، وهو ما يشكّل خطورةً عاليةً على أي مزارع اختار الاستمرار في زراعة البذور التقليدية؛ لأن دخول البذور المعدلة جينيًا أرضه يعني تلوث المحصول عدة سنوات مقبلة.

وأكد بحث علمى أن استخدام الذرة المعدلة وراثيا يسبب اختلال الدم خاصة الكرات البيضاء؛ مما يعكس وجود خلل في المناعة فضلا عما تسببه من تشوهات في الأجنة والتأثير فى الأرض الزراعية، وهذا الخلل يظهر بعد عشرات السنين لدرجة أنه قد يؤدي إلى إبادة محصول الذرة نهائيا.

والمشكلة الكبرى في القضية أن «مونسانتو» ليست مثل أي شركة محتكرة يمكن مواجهتها بالقانون لأن لها وضعا خاصا فقد استطاعت من خلال سطوتها ونفوذها تحصين نفسها ضد القانون لدرجة أنها أصبح من حقها عدم كتابة أي بيانات على الأغذية المعلبة توضح أن العبوة تحتوى على منتجات «مونسانتو» حتى لا يؤثر فى مبيعاتها، ما يعد انتهاكا واضحًا لحق المستهلك.

والمستهلك لا يرى اسم ««مونسانتو»» في المحال بالرغم من أن بيته يمتلئ بها ويتناولها يوميا فهى تدخل في تصنيع العديد من المواد الغذائية فقد نجحت الشركة بفضل سطوتها ونفوذها في منع الإشارة إلى احتواء تلك المنتجات على عناصر معدلة وراثيا.
الجريدة الرسمية