رئيس التحرير
عصام كامل

رؤية عمرها ٧٥ عاما


منذ أكثر من ٧٥ عاما، أدلى الدكتور محمد حسين هيكل، الأديب والسياسي الكبير، صاحب كتاب (حياة محمد)، ومؤسس حزب الأحرار الدستوريين، برأيه في مستقبل مصر بعد ٥٠ عامًا.


ولنر كم أفرط هؤلاء القادة في التفاؤل، قال، رحمه الله: حينذاك لا تكون مصر الحديثة هامشًا على تاريخ مصر القديمة، ولا تعيش في كنف الفراعنة تستجدي العطف عليها، ولسان حالها يقول، ارحموا عزيز قوم ذل.

بلى! إن السياح سيفدون على مصر، ليشهدوا كيف بعث الشعب الذي خرج من تحت أنقاض الزمن، ونفض عنه غبار الفناء، وكانوا من قبل يجوسون خلال الديار، يمجدون آباءنا ويترحمون علينا.. ويصف حال مصر في عصره: مصر اليوم موضوعة على الرف، في عزلة عن الأسرة الدولية، وفي الغد ستزاحم الأمم النابهة بالمناكب سباقة إلى أداء واجبها نحو الحضارة ونحو الإنسانية.

وبعد أن شرح فوائد الاستقلال عن بريطانيا التي كانت تحتل أرض الكنانة آنذاك، استأنف أحلامه: لست أتصور مصر بعد نصف قرن إلا ظافرة بمكانة كتلك التي تتمتع بها سويسرا، مكانة دولية مضمونة الحياد.. وقد أتخيلها منافسة لسويسرا من حيث انعقاد المؤتمرات الدولية التي تفض المشكلات بالحسنى، وتسوي المنازعات ووجوه الخلاف بالتفاهم والتراضي.

مركزنا الجغرافي، وحاجتنا إلى هدوء السلم وطمأنينته، خصوصا بعد أعمال البناء المجهدة، وتطلعنا إلى المثل الأعلى للحضارة، كل هذا سيوحي إلينا أن خير سياسة يجب أن نتبعها هي مصافاة الشعوب جميعًا، ووضع علاقاتنا مع الدول على قواعد الولاء والمحبة وحسن النية والتعاون المتبادل.

الرجل كان أديبا بارزا، وسياسيا نابها، لكنه كان يعتقد أن الاستقلال السياسي سيكون هو عنق الزجاجة الذي إن اجتازته بلاده سيكون لها شأن آخر، لكن ما حدث لم يكن يدر بخلده هو ولا غيره من زعماء ذلك الزمن الجميل.. فقد اندفعت مصر بعد خروج جنود الاحتلال البريطاني نحو الشرق، ووثقت العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، وخاضت أكثر من حرب، وانهزمت في ١٩٦٧.. ثم عادت لتتجه غربًا، ولم تكن في يوم من الأيام محايدة، ولا نافست الدول الكبرى، بل تدهور بها الحال في معظم المجالات.

بالطبع نحن لا ننتقد نظرة الرجل، ولا نخطئه، ولكننا نرثي لأجداد أحسنوا الظنون بأحفادهم، فلم يكن الأحفاد على مستوى المسئولية، ولم يكافحوا مثل أسلافهم.. باختصار لم يتحقق شيء يذكر من رؤية محمد حسنين هيكل لمستقبل مصر.
الجريدة الرسمية