رئيس التحرير
عصام كامل

عبده خال عن أزمة يوسف زيدان:معارضة الفكر بالكتابة لا محاكم التفتيش

 الكاتب يوسف زيدان
الكاتب يوسف زيدان

نشر الكاتب يوسف زيدان رأى الكاتب السعودي عبده خال عن الأزمة الأخيرة التي أثارتها آراء زيدان عن صلاح الدين الأيوبي.

وجاءت الرسالة تحت عنوان "مبرقعتان تتبعان يوسف زيدان" وجاء فيها:


يوسف زيدان مفكر وأديب وروائي أشعل الساحة المصرية والعربية بآرائه التي زعزعت مسلمات جعلته على مرمى حجر من الأصوات الساخطة حيال أي رأي يمس الموروث، وتكالبت عليه ردود أصحاب الخطاب الأعمى بما لا يتناسب مع مبدأ الحوار القائم على إثبات الحجة أو نقضها.

ويعد يوسف زيدان من القلائل – في الوقت الراهن - يناضل بأفكار تنويرية في محيط مازال رافضا لمبدأ الحوار، وتقليب الحطب على النار إلى حالة الهياج وتثوير الشارع ضد كل الأصوات التي تنادي بالخروج من مآزق الفكر العربي إلى فضاء النقد الذاتي، وإصلاح أي اعتوار حدث في الماضي.

ويقول الواقع: إن فترة التنوير العربي توقفت قبل أن تواصل مسيرتها منذ منتصف الستينيات من القرن الماضي، أي إنها أعلنت عن نفسها من خلال رموز عاشت في وقت متزامن يقدر بثلاثة عقود، بعد التحرر من الخلافة العثمانية، وقد أصيبت بنكسة عنيفة، عندما فرض عليها الواقع كل تحدياته الحداثية، والتي لم تستطع آليات الفكر العربي (مجتمعة) الانعتاق من الكوابح التي فرضتها العقلية المنهزمة خشية من ضياع كل شيء.

فبقى التنويرون يفكرون ويكتبون وينشرون في محيط أغلق منافذه، وتكلس على الأفكار التي في حوزته منذ مئات السنوات، وقد قوبلت أفكار التنويريين بأنها خطر يهد الوجود الإسلامي ذاته، فتوقفت عجلة التنوير كعربة تجرها الدول (المستقلة عن الخلافة) وليس الأفراد، صحيح أن الأفراد هم المنتجون للأفكار الحديثة، لكن الأنظمة العربية المستقلة لم تضيق على المثقفين، ومنحتهم اتساعا أرحب كي يحدثوا تنمية فكرية، وعندما استسلمت الدول للغوغاء انسحب الخطاب التنويري ليحل محله الخطاب الأعمى.. خطاب لا يقود إلى معرفة إنتاجية، أو البناء على ماهو سليم من التراث، فتراكمت سنوات من الظلام سرعان ما أثمرت عن تراجع مقيت كانت آخر ثماره داعش.

وحين يعلن يوسف زيدان عن آرائه في مجمل التاريخ أو التركيز على شخصية تاريخية، مظهرا عيوبها فلا يعني هذا أنه اقترف إثما عظيما، وإنما قال رأيا قابل للصواب كما هو قابل للخطأ.. ولأن التاريخ ليس كما يتم تعميمه يمكن للقارئ الدخول إلى الدهاليز الخلفية، وقراءة تاريخ غير معمم، وهذا ما فعله يوسف زيدان عندما قرأ عن شخصية صلاح الدين الأيوبي وفق عين فاحصة، بعيدا عما تم ترسيخه في الذاكرة العربية عن تلك الشخصية، ولأن ما قاله (زيدان) لا يرد على لسان كانت آراؤه مهيجة لأحد الأزهريين الذي طالب النائب العام بمحاكمة زيدان بتهمة إهانة أحد الرموز التاريخية والإسلامية.

وقضية رفع دعاوي قضائية على المفكرين وسيلة بائسة لإيقاف العقل من أن يمارس النقد، ومراجعة كثير من المسلمات التاريخية أو الآراء المعطلة للحياة أو الإتيان بأفكار تتناسب مع الراهن أو تسبق للمستقبل... مثل هذه المقاضاة هي تعطيل للفكر، واستنزاف مجهودات عدة جهات أهمها المفكر ذاته، إذ يظل بين دهاليز القضاء ذهابا وإيابا، لأنه قال رأيا فكريا ومهما كان هذا الفكر صادما فاجعا فإن مجابهته تكون بمعارضته كتابيا، وليس جرجرته بين المحاكم ليثبت قوله أو يعاقب... فالأفكار الإنسانية أو مراجعات التاريخ ليست جريمة يعاقب عليها القانون.

ومشكلة مقاضاة الأفكار هي اجتذاب (محاكم التفتيش) في حلة جديدة ليتزعمها الأفراد كي تكون هي (برقع) الحياة الراهنة، والتي لا يظهر منها إلا عينان متربصتان قبيحتان.
الجريدة الرسمية