رئيس التحرير
عصام كامل

كهنة المسلمين


ستتفق معي أيها المسلم في أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان هو الوحيد الذي يمثل الإسلام، ولذلك كان عنوان رسالته هو الرحمة، ألم يرسله الله ليكون رحمة للعالمين، وكان صلى الله عليه وسلم آية كُبرى من آيات الأخلاق، ألم يقل عنه رب العزة: "وإنك لعلى خلق عظيم" ألم يكن حليمًا حييًا خفيض الصوت؟ ألم يتعرض للإيذاء من المشركين؟ ألم يتعامل معه بعض صحابته ببداوة فيها غلظة، فقال الله جل في علاه: "إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ".. فوصفهم الله بعدم العقل، بل إن رب العزة قال مخاطبًا كبار الصحابة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ"..


وعندما كان بعض كبار الصحابة يقتحمون على النبى صلى الله عليه وسلم بيته دون استئذان فيؤذيه هذا انزل الله قرآنًا قال فيه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ".. وعندما ادعى البعض أنهم قد أسلموا وأخفوا كفرهم نفاقًا خاطب الله الرسول صلى الله عليه وسلم قائلًا: "ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم".. أي إن هناك من بين صحابتك من هم أكثر الناس نفاقًا، ولكنهم تمرنوا على هذا النفاق وتفوقوا فيه لدرجة أنك أيها النبى لا تعلم من هم، ولكن الله يعلمهم، ولعلها من الأمور شديدة الوطأة على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعرف أن هناك من ادعى القرب منه، يجلس بين يديه، ويبكى في مواضع الخشوع والتقوى وهو في الحقيقة من الكفار!

وفى ذات الوقت لا يعلم الرسول خبر هؤلاء، لأن الرسول بشر لا يعلم ما في القلوب، فقط هو الله سبحانه الذي "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ".. أما الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعلم إلا ما يخبره به الله العليم.

وأظن أن بعض آيات القرآن كانت شاقة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فأنا أتخيله حينما نزلت عليه الآيات الكريمة من سورة "يس" والتي يقول الله تعالى فيها مخاطبا إياه:"لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون"، ثم يقول له: "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون"، أتخيله والآيات تخبره أن أكثر قومه لن يؤمنوا به، وهو الذي سعى إلى هدايتهم إلى طريق الرشاد، فتأتي الآية نافية لإيمان أكثر قومه، ومع ذلك لم يتوقف عن دعوته ولم يقلل حركته حتى قال الله له وهو يهدهد خاطره "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا"، هذا هو الرسول الذي كان يمثل الإسلام وحده، ولم يدع أحد من صحابته أنه يمثل الإسلام..

ومن بعده كان كل واحد من المسلمين يمثل نفسه، وكانت كل مؤسسة من المؤسسات المعنية بدراسات الدين تمثل نفسها، ليس لها أي سلطان على قلوب البشر، وكيف يكون لها سلطان والرسول نفسه لم يكن يملك هذا السلطان؟ ألم يخاطبه الله قائلا: "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر".. وفي أيامنا إذا بمن يمثل مؤسسة من المؤسسات المعنية بعلوم الدين بتكفير مسلم اختلف مع تلك المدرسة أو ذلك الفقيه، أو هذا الإمام! الآن عرفنا أن الرسول عانى من صحابته الأخيار قبل أن يعاني من المشركين، ونحن من بعده نقتفي أثره فنعاني من "الصحابة الجدد" الذين صنعوا من الأزهر مؤسسة كهنوتية.

الجريدة الرسمية