رئيس التحرير
عصام كامل

اقتلوا يوسف زيدان


توقف الناس عند كلمة واحدة أطلقها الكاتب والمفكر يوسف زيدان، واصفا القائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي، ولم يكلف واحد من الكتاب والمفكرين على طول الوطن وعرضه نفسه، عناء مواجهة الطرح التاريخي الذي ألقاه زيدان على العامة، فصدم مشاعرهم إزاء اجتهاد سينمائى قدمه الراحل العبقرى يوسف شاهين، وما بين “اليوسفين” مساحة اختلاف كفيلة بأن تعيد للتاريخ رونقه وبهاءه وحيويته بعيدا عن الطنطنة التي صاحبت رؤية زيدان التاريخية.


ورغم أن زيدان طرح في حواره مع الإعلامي عمرو أديب عددا من القضايا الفكرية إلا أن الجميع توقف عند كلمة “أحقر”، التي وصف بها زيدان قائدا تاريخيا مهما وهو صلاح الدين، بل انتقل الحوار عبر وسائل التواصل الاجتماعى إلى مساحات من التخلف الذي يدفعنا إلى القول بهشاشة فكرة الحوار في المجتمع المصرى، ووصولها إلى آخر مراحل الصراعات، وهى الاختزال الرهيب لقضايا تحتاج إلى نقاش عميق بعيدا عن الاختزال المشوه.

وصف البعض يوسف شاهين بـ “المسيحى النزيه”، معبرا عن يوسف زيدان بـ”المسلم الخائن”، دون أن يتصور أن آفة المجتمعات المتخلفة هي الاختزال الأعمى دون علم وقراءة وتأن، فلا يوسف شاهين نبى ولا يوسف زيدان رسول.. كلاهما يمتلك أدوات يستطيع من خلالها أن يقدم للمجتمع رؤى تهدف إلى خلق حالة من الحوار وإعمال العقل والوصول بالناس إلى أن للحقيقة أكثر من وجه.

تحدث زيدان عن قضايا تهميش المثقفين أو غياب المفكرين أو توقف عجلة الإنتاج الفكرى المصرى، وإصابة الأمة المصرية بعقم في إنتاج طه حسين آخر ومحمد عبده ثان، وغيرهما من كبار المحرضين على نقد الذات وخلق مساحات من الحوار الهادف بقصد مواجهة الجمود الذي يصيب الأمم بأمراض نظن أن أخطرها ما طفا على السطح إزاء طرح زيدان التاريخي، والذي يستحق من متخصصين وكتاب ومفكرين الدخول على الخط حتى لايصبح تاريخنا مجرد رؤية سينمائية أو طرح هش وقراءة غير مسئولة.

أذكر أن الأستاذ جمال البنا عليه رحمة الله، قال ذات يوم إن التدخين لا يفطر فانقلبت الدنيا بين مهاجم وقاذف وسباب، وعندما سألنا الرجل في جلسة خاصة بعد ثلاثة أيام من إطلاقه فتواه الغريبة، فاستطرد الرجل في حوار شارح وهو يقول: إن شيوخا هاجمونى وقالوا كلاما في الرد على ما قلت وطلاب علم قرأوا كتبا ليهاجمونى والناس في الشوارع اشتروا كتبا وحلقات تليفزيونية استجابت للهجمة الشرسة على.. أليس هذا عظيما؟!

وقال: إن المياه الراكدة تحمل الأمراض، وأرانا وقد تجمدنا في مواقعنا واستسلمنا لحالة من التخلف وأضاف: أنا لست مفتي الديار كما أنني لست مسئولا في الأزهر، ومن أراد الفتوى فليأخذها من نفسه أو من موقعها الصحيح إن أراد، أما أنا فمهمتى أن أحرض الناس على القراءة والبحث.. لابد أن نعلم الناس أن الاطلاع محرك مهم في تقدم الأمم، وأن لكل إنسان عقلا وقلبا، ويحمل بداخله مفتيا لايضاهيه مفت، لذا قال الرسول الأكرم “استفتِ قلبك”.

صحيح، المثال هنا لا ينطبق على ما قاله يوسف زيدان إلا أن الحل لايكون في تشويه الرجل وإطلاق حملة هجوم عنيفة وغير مبررة، بعيدا عن حلقات النقاش الهادئ والهادف من مختصين يراها المجتمع في وسائل الإعلام ليطالع الرؤي المختلفة بعيدا عن عاطفة لا تعبر عن عقل، وبعيدا عن إقصاء لفكرة تستحق النقاش والجدل ليعرف الناس تاريخهم وليدركوا أن القادة التاريخيين ليسوا خيرا صافيا وأيضا ليسوا شرا مستطيرا.. هم بشر أصابوا وأخطأوا كما يصيب العامة ويخطئون..

قتل يوسف زيدان لن يغير التاريخ.. لن يضيف إلى صلاح الدين تاريخا جديدا، وتشويه يوسف شاهين لن يمحو رؤيته الفنية المبهرة.. إنه الحوار المفقود بين أفراد الأسرة.. وبين الحاكم والمحكوم، وبين المثقفين والمفكرين والكتاب والقادة الاجتماعيين.. الحوار الذي لم يعد موجودا في الجامعات ولا المدارس.. الحوار الذي ابتنى أمما احتلت مواقع الصدارة في الإسهام الحضارى.. الحوار المفقود بين أطراف المجتمع حتى صرنا نعيش في جزر منعزلة، يكفر بعضنا بعضا ويهمش بعضنا بعضا ويقصي بعضنا بعضا.

إن بلادنا بحاجة إلى ألف يوسف زيدان، وألف ألف يوسف شاهين.. نحن في حاجة ماسة إلى من يوقظ فينا ملكة البحث والنقاش والجدل.. الإرهابيون ليسوا وحدهم المتطرفين.. كلنا متطرفون حتى يوسف زيدان نفسه لم يكن مفكرا عندما أطلق لفظة “أحقر”.. كان مثلنا.. تنازل عن المفكر داخله لصالح جماهير الكرة، أما الذين أرادوا قتله ونسفه وتشويهه فهم أيضا متطرفون، فالتطرف هو تجاوز حد الاعتدال وعلى هذا النحو كلنا متجاوزون.
الجريدة الرسمية