رئيس التحرير
عصام كامل

التفكير الإبداعي والتعليم


في مقالة سابقة لى تحدثتُ عن مهارات التفكير وعملية التعلم، وفى هذا المقال أقف عند نوع من أنواع التفكير هام وحيوى لتقدم الإنسان في المجتمع بل كيفية غرس مفاهيم التفكير الإبداعى في عملية التعلم، فالإنسان جزء حيوى وهام من منظومة التقدم في المجتمع، وإذا أردنا أن نتقدم بمجتمعنا علينا أن ننمى مهارات التفكير عند أولادنا وطلابنا من الصغر، وأقف في مقالى هذا عند التفكير الإبداعى وأطرح السؤال ماذا يعنى بالتفكير؟


يقولون في الفلسفة "إن الإنسان حيوان ناطق " والنطق لا يعنى مجرد القول أو التلفظ أو التعبير بل هو يعنى الـتأمل أو التعقل أو التفكير، ولكننا ما نكاد نتحدث عن "التفكير" حتى نجد أنفسنا بإزاء أنماط مختلفة من التفكير: فهناك تفكير العالم، وتفكير الفيلسوف، وتفكير السياسي، وتفكير رجل الدين، وتفكير الإنسان العادى.. إلخ والسؤال الذي يُطرح على الذهن ألا وهو ما الذي يجمع بين كل تلك الأنماط المختلفة من التفكير ؟

والإجابة هي إنه لما كان التفكير مظهرًا من مظاهر المهارة ويُترجم إلى ناتج من خلال الإنسان ويظهر في بناء ذاته وبناء المجتمع، كمهارة التفكير التحليلى والتفكير الموضوعى والتفكير النقدى والتفكير الإبداعى وكلهم مرتبطين بعضهم البعض ويتضح إحداهم أو بعضهم في ناتج التفكير الإبداعى الذي بدوره يجعل الإنسان متميزًا في فعله وسلوكه ومن ثم يكون التأثير على المجتمع بأثره.

وأطرح السؤال هنا مرة أخرى ما هو التفكير الإبداعى؟ هو الجمع بين شيئين أو أكثر في علاقة ما، ينتج عنها مكون جديد، أو مبتكر جديد أو غير مسبوق والشواهد الدالة على صحة هذا التعريف: الإبداع الأدبي ويتمثل في الأدب والشعر والقصة والروية والخيال.

وهكذا الإبداع الموسيقى والإبداع المعمارى، والإبداع التعليمى، خلاصة ما سبق الإبداع يتجلى في كل صور الإنتاج أو الاختراع أو الاكتشاف لشىء ما ليس موجودًا أو معروفًا، ويمكن اعتبار كل شخص مبدعا إذا أبدع أو اخترع شيئا لم يوجد من قبل وإذا أبدع أو اكتشف شيئا كان موجودًا ولم يُعرف مكانه، وأيضًا إذا اكتشف طريقة أو علاقة جديدة أو خطة جديدة،أو إذا أعاد تطبيق خطة عمل أو طريقة إنتاج أو طريقة تعليم موجودة أصلًا ولكنها بصورة جديدة أو متطورة أو مختلفة (التعليم المعاصر) - تغيير الطريقة ومحاولة الإقناع، ويجب التمييز بين الإبداع الفعلى والإبداع الكامل، الإبداع الفعلى في صورة نواتج إبداعية (فنية وأدبية وتكنولوجية، تطوير فكر، تطوير نظم قديمة...) الإبداع الكامن الاستعداد لإمكانية الإبداع ويجب أن ندرك أن كل فرد يملك إمكانية الإبداع، فالإبداع موجود في البشر ولكن بصورة متفاوتة فلا يوجد شخصان أو معلمان أو طالبان مبدعان بنفس الطريقة تمامًا وهذا الاختلاف لا يرجع إلى فروق كمية فقط وإنما فروق كيفية وفروق نوعية، إن كل مبدع يميل إلى التفوق في بعض القدرات دون الأخرى، إن الإبداع ليس شيئا واحدًا بل يقوم على عدد من القدرات الإبداعية المختلفة تساهم جميعا في الأداء الإبداعى.

وأذكر معى القارئ أن هناك أنواعا من الأمية هي أمية القراءة والكتابة وأمية الكمبيوتر وأمية التفكير، نعم أمية التفكير؛ نحن نعيش في عصر مليء بالتحديات المتنوعة ويجب أن يكون تفكيرنا متجدد ومنفتح ونتخلص من التفكير العقيم والمتعصب لأى فكرة غير إيجابية ولن نتخلص من أمراض الفكر إلا بتعليم أولادنا وطلابنا أهمية التفكير الذي يميز الإنسان عن الحيوان، ونُعلم هذا الجيل والجيل القادم على تنمية مهارات التفكير وخاصة التفكير الإبداعى، فالمجتمعات المتقدمة صناعيًّا الآن اهتمت بالتفكير وتنمية مهاراته في التعليم والتعلم.

ويتبادر إلى ذهنى معكم الآن هل المنظومة في وزارة التربية والتعليم قائمة على أنماط تبنى في الإنسان ليكون بناءً صغيرًا في مجتمع كبير؟ أعلم إجابتكم مع إجابتى ألا وهى أنها فرغت منهجية التعليم من مضمونها السنوات السابقة ولا توجد إرادة للقائمين على العملية التعليمية على إعادة بناء وتأسيس منظومة بناءة يكون العنصر الأساسى فيها الإنسان، ولنستدعى معا التجارب الحديثة في بناء الإنسان وتقدم المجتمع، وأعطى مثال على سنغافورة والتي اتخذت شعارا "التعليم أولًا".

في غضون عقود قليلة، حققت سنغافورة إنجازات هائلة جعلت منها دولة متقدمة. إلا أن الإنجاز الحقيقي الذي حققته هذه الجزيرة الصغيرة هو تطوير نظام تعليمي يُعتبر أحدَ أرقى أنظمة التعليم في العالم بلا نزاع. حيث مكنها نظامها التعليمي من تكوين كفاءات وخبرات ساهمت في بناء اقتصاد البلد. لقد فهمت سنغافورة أنها لا تملك أي موارد طبيعية تساعدها على تحقيق نموّ اقتصادي، فهي دولة في مدينة واحدة، مع جزر صغيرة جدا من جوانبها. فاختارت سنغافورة أن تركز على رأس المال الحقيقي الذي تملكه، والذي اعتمدت عليه في تحقيق معجزتها الاقتصادية "الإنسان".

ومن ثم أصبح، نظام التعليم في سنغافورة واحدًا من أفضل أنظمة التعليم في العالم. كما تعدّ التجربة السنغافورية في التربية والتعليم من التجارب الرائدة التي تستحق الوقوف عليها والتوقف عندها من أجل الاستفادة منها. وتكمن مهمة التربية والتعليم في تكوين وبناء الإنسان السنغافوري، لتجعل منه عنصرًا قادرًا على المساهمة في تطوير مستقبل بلده. حيث تسعى وزارة التربية والتعليم إلى مساعدة الطلبة على اكتشاف مواهبهم، واستغلال طاقاتهم بأفضل شكل ممكن، والتعلم أكثر، وتحقيق نتائج جيدة. عن طريق تنمية مهارات التفكير الإبداعى كما ترتكز سنغافورة على نظام تعليمي متقدم، وعلى معاهد متطورة، وأساتذة أكفاء، وتجهيزات وبنية تحتية متطورة، ويوفر التعليم لجميع الطلاب فرصا عديدة ومتنوعة لتنمية قدراتهم ومواهبهم، كما أنه يتميز بالمرونة الكافية التي تمكن الطلبة من توظيف كامل إمكانياتهم.

فهل ننظر إلى التجارب الناجحة، بل السؤال الأهم هل نريد بناء مصر اقتصاديًّا في الفترة القادمة؟ وهل نريد أن نكون دولة منتجة وليس مستهلكة ومستوردة فقط؛ إن كنا نريد فيجب تضافر كل الجهود المخلصة ليكون عنواننا الأكبر الآن هو" التعليم أولا " دون النظر إلى موائمات أو شلالية أو الاستعانة بأهل الثقة فقط الذين رجعوا بمصر إلى الوراء، فهناك أهل ثقة والخبرة في ذات الوقت؛ فتربة مصر ولادة والتاريخ يشهد على ذلك.. وللحديث بقية عن الإبداع في التعليم.


الجريدة الرسمية