رئيس التحرير
عصام كامل

جمال حمدان.. ومصر 2016!


في موسوعته الشهيرة «شخصية مصر»، وتحديدًا في البابيـن العاشر والحادي عشـر، تحدث الراحل العظيم الدكتور «جمال حمدان» عن مصر، وكأنه يرصـد حالها الآن في 2016.


يقول «فيلسوف الجغرافيا»- المولود في 4 فبراير 1928، والمتوفى في 17 أبريل 1993م-: «إن مصر اليوم، ورغم كل التغيرات الجذرية الإيجابية والمشرقة والواعدة التي أنجزتها، تبدو في أسوأ حالاتها، أسوأ مما كانت عليه في أي يوم مضى، إنها ما زالت تبــدو حتى الآن عتيقــة شاخت، ولا تتجدد أبدًا، مريضة بإزمان، ولكنها لا تموت أبدًا، ذلك أنها تعايشت مع المرض، وتعودت عليه، ومرضها القومي المتوطن، هو إذًا كمرضها الطبي المتوطن، فالبلهارسيا والإنكلستوما لا يميتان على الفور، ولكنهما يعجزان ويضعفان ويقعدان المصاب».

أما عن أكثر ما أفسد الحياة السياسية، فكتب حمدان: «لقد أفسدت الاستمرارية السياسية، استمرارية الفرعونية، ما أصلحه الانقطاع الذي جاءت به الحضارة الحديثة، ذلك أن مرض مصر المزمن في الحاضر، والموروث من الماضي هو حاكمها ونظامها، فلقد تغيرت مصر في كل شيء تقريبًا، إلا شيئًا واحدًا هو النظام السياسي، فهــو وحده الذي لم يتغير، وهو وحــده الذي يقاوم بكل ضــراوة ودموية كل تغيير، يجمد الشخصية، ويحنطها فرعونيًا، علمًا بأن الطغيان الفرعوني فقد في العصر الحديث مبــرر وجــوده وقيامــه أصلًا، فضلًا عن بقائه واستمراره بعد ذلك، ونعني به مسلسل النهر- الري- الضبط- المركزية- القهر.. إلخ».

لذلك- والكلام لـ«جمال حمدان»: «فإن مصر تعيش اليوم في زقاق الإحباط الضيق المسدود، والأزمات المزمنة الذي تنحشر فيه حاليًا، وفى الأثناء فإن مصر تدفع اليوم وكل يوم الثمن الباهظ، ولا نقول تتلقى العقاب المستحق لمرضها التاريخي المزمن كشعب وكدولة، فمنذ بعض الوقت أصبحت مصر للأسف الشديد دولة مريضة جيوبوليتيكيًا، يسكنها شعب مريض تاريخيًا، يحكمها أحيانًا رجل مريض نفسيًا كما بالأمس القريب».

وكما شخَّص «حمدان» حال مصر، لم ينس أن يضع «روشتة» الخلاص، قائلًا: «في وجه هذه الحالة المرضية المركبة، فليس أمام مصر سوى إحدى اثنتين: إما أن تموت بالتسمم الذاتي البطئ، الذي سرى واستشرى من قبل في جسدها، وإما أن تعيش بفصد الدم الفاسد المسمم، إما أن تنحدر مصر بهدوء وبطء، بهوان وهويني، إلى ما لا نهاية وإلى ما دون الحضيض، وإما أن تنفجر على نفسها داخليًا، وخارجيًا في فورة قوة عظمى، تجدد شبابها، وتستعيد كرامتها، وتحل أزمتها التاريخية، فإما أن تغير حياتها ونظامها، وتثور على نفسها ثورة نفسية وعملية، وإلا فإن أمامها مائة سنة أخرى على الأقل من الانحدار التاريخى المتسارع تتخبط فيها وتترنح ما بين الانقلاب، والانقلاب المضاد».

وفى الحالين -والكلام ما زال لجمال حمدان- «فلقد أصبح التغيير شرط البقاء نفسه، إن لم يكن لفصد الدم الفاسد، فلتجديد الدم الصحي، وفي الحالين فإن آفة مصر، وجريرة الشخصية المصرية هي الاعتدال المفرط، وفرط المحافظة، التي تفضل الحلول الوسطى، ومساوماتها الجزئية على الحلول الجذرية، وتفضل التطــور على الطفرة، والإصلاح على الثورة».

«وفى الحالين أخيرًا تبقى القضية الأساسية هي قضية الصراع بين الاستمرار والتغيير، والاستقرار والانفجار، والانقلاب والثورة، وفي هذا الصراع، إذا لم تدفن مصرُ الفرعونية السياسية في مقبرة التاريخ، فستدفن هذه الفرعونية السياسية مصر في مقبرة الجغرافيا».

ما المطلوب إذًا؟
يجيب جمال حمدان قائلًا: «مطلوب إذًا حدث عظيم وأعظم في الوجود المصري، لا يرج مصر وحدها، ويخرجها من مأزقها التاريخى الوجودي أو من دوامة الصغار، والهوان، والأزمات التراكمية المعيبة التي فرضت عليها، ولكن أيضًا يرج الدنيا كلها من حولها، لتفرض مصر عليها احترامها وتقديرها من جديد، والاعتراف بها شعبًا أبيًا كريمًا عزيزًا إلى الأبد».
الجريدة الرسمية