رئيس التحرير
عصام كامل

لماذا عاد سامح شكري من لبنان كما ذهب؟


لم يتمكن سامح شكري وزير الخارجية من تحقيق مفاجأة ما في منصب "رئيس لبنان" الشاغر منذ أكثر من عامين، أو حتى إطلاق "عيّار" ما "يدّوش" به اللبنانيين في أثناء زيارته للبنان الأسبوع الماضي، وعاد من لبنان كما ذهب. لماذا عاد كما ذهب؟
 الإجابة تتطلب تحليلًا لما تضمنته الزيارة وردود الفعل حولها في لبنان، وهي الزيارة التي قال عنها السفير المصري في لبنان الدكتور محمد بدر الدين زايد في أثناء الترتيب لها: إنها"ستحمل أفكارا جديدة في ما يتعلق بطريقة التفاعل مع الشأن اللبناني، وستكون بداية أو تحريكا للموقف"، الطريف أن الإعلام اللبناني تفاعل مع تصريح السفير محمد بدر الدين زايد فكتب موقع "النشرة" قبيل الزيارة وأثناء التحضير لها متسائلًا: "هل يكون سامح شكري طبيب توليد الرئاسة اللبنانية؟".


الإعلام اللبناني كان أكثر وضوحًا من سعادة السفير في تقييمه للزيارة، واتسق وطبيعة القوى السياسية في لبنان. اختلف الإعلام اللبناني في تقييمه للزيارة، والاختلاف في السياسة اللبنانية هو الأساس فعبرت "جريدة الجمهورية" اللبنانية عن الزيارة ولخصتها بقولها: خلاصة زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى بيروت، وكما حدَّدها مرجع كبير، أنّها كانت «سياحة استطلاعية» لا أكثر ولا أقلّ".

إعلام قوى 14 آذار وضع زيارة سامح شكري في إطارها الطبيعي بل وثمنها على طريقة أن الزيارة خطوة تعكس اهتمام مصر، حيث تناقلت جريدة الجمهورية وكذلك موقع حزب القوات اللبنانية، بالإضافة إلى مواقع متعددة تقارير إيجابية عن الزيارة، في حين هاجمت صحيفة "السفير"– لسان حال حزب الله والمعبرة عن رؤى الحزب - زيارة وزير الخارجية.

من بين الصحف التي تناولت الزيارة بشكل إيجابي صحف "الديار" و"المستقبل". ولعل التقرير الإيجابي الذي نشره موقع حزب القوات اللبنانية كان الأبرز، حيث يقول إن الزيارة تضمنت ثلاثة "عناصر": الأول أنها الزيارة الأولى لمسئول عربي رفيع المستوى من الدول العربية "الناجية"–حسب تعبير موقع حزب القوات اللبنانية -من الربيع العربي، أما العنصر الثاني فيظهر رغبة القاهرة في إظهار اهتمامها بالملف اللبناني وحضّ القوى اللبنانية على تحريك المياه السياسية الراكدة، في حين ينطوي العنصر الثالث على كوّن الزيارة جاءت لاستكشاف آفاق حلول الأزمة اللبنانية، وأن الزيارة أرادت تأمين غطاء سياسي طويل المدى لجهد مصري سيستمر وراء الكواليس بأدوات تنفيذية مختلفة وغايته –والكلام لازال لموقع حزب القوات اللبنانية- مواكبة التطوّرات الداخلية والإقليمية، بغية اقتناص فرصة التقدّم بمبادرة في الوقت المناسب.

صحيفة "السفير" استبقت زيارة سامح شكري بتقرير يقول عنوانه: شكري في بيروت: مهمة صعبة.. بأدوات محدودة" ونقلت عن معصوم المرزوق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشئون العربية لـ«السفير» قوله "إن زيارة شكري تبدو غامضة بعض الشيء، فلكي يكون لمصر دور على الساحة اللبنانية يجب أن تكون علاقاتها واتصالاتها بمختلف الأطراف في لبنان قوية، وهو أمر غير متوفر، فالحكومة المصرية لها موقف حاد من حزب الله".

زيارة شكري تضمنت مقابلته لمعظم الزعماء السياسيين في لبنان، بما فيهم نبيه بري رئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء تمام سلام ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، والتقى في لقاء واحد برؤساء الأحزاب والتيارات والكتل النيابية في جلسة عشاء ضمت الرئيس السابق لحزب الكتائب أمين الجميّل، ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة، والنائب ميشيل عون مرشح حزب الله للرئاسة، بالإضافة إلى رئيس الجمهورية السابق ميشيل سليمان.

ولامت بعض الصحف اللبنانية على سامح شكري عدم مقابلته لشخصيات من حزب الله، وعدم مقابلته لوليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وزعيم الدروز في لبنان، حيث انتقدت جريدة الجمهورية "مقاطعة الوزير المصري لـ"حزب الله"، واستثنائه من جدول لقاءاته، مع أنّ الحزب هو أحد أبرز اللاعبين الداخليين على ملعب الاستحقاق الرئاسي" حسب تعبير جريدة الجمهورية.

صحيفة السفير التي صبت جام غضبها على الدور المصري في لبنان، وقالت إن الرفض جاء من طرف "حزب الله"، وكتبت في تقرير عنوانه "لماذا رفض «حزب الله» الاجتماع بشكري؟ أن "سفير مصر تواصل مباشرة لأجل ذلك مع الوزير حسين الحاج حسن الذي استمهل، قبل أن يعطي جوابه النهائي بالاعتذار عن عدم لقاء وزير خارجية مصر!"

صحيفة السفير أرادت إبراز موضوعيتها وصدقها فنشرت بعض ما دار من كواليس العشاء، وتأكيد رئيس الجمهورية السابق ميشيل سليمان على الدور السلبي لسلاح حزب الله، ومطالبة فؤاد السنيورة رئيس الوزراء الأسبق بممارسة ضغوط دولية على إيران، باعتبارها الدولة الوحيدة التي يمكنها أن "تمون" حزب الله، ولامت على حلفاء حزب الله عدم الاكتراث بما وجهه الفرقاء للحزب والتركيز فقط على ملف الرئاسة.

سامح شكري عاد من لبنان كما ذهب لأسباب تتعلق بتراجع دور الدبلوماسية المصرية، فملف رئاسة لبنان والملف الذي يتضمن اسم رئيس لبنان الجديد -كما يعرف جميع اللبنانيين– لا يوجد في درج وزير الخارجية سامح شكري. منصب رئيس لبنان الشاغر معلق بين دولتي السعودية وإيران، فاذا قبلت إيران بمرشح غير ميشيل عون (حليف حزب الله ومرشحه للرئاسة) وبمبادرة سعد الحريري رئيس الوزراء السابق بترشيح النائب سليمان فرنجية، أو وافقت السعودية على مبادرة حزب الله بتسمية سعد الحريري رئيسًا للوزراء وميشيل عون رئيسًا للجمهورية ستشهد لبنان رئيسًا، وأغلب الظن أن القوى السياسية اللبنانية التي قابلت سعادة الوزير ظنت أن سامح شكري يحمل مبادرة ما من السعودية وأن مصر ستكون الوسيط الذي يحرك الملف الراكد، وأن الملف وصل أخيرًا إلى مكتبه.

حاولت الدبلوماسية المصرية أن تتحرك بدلا من مراوحة مكانها، ولكن وزير الخارجية ظن أن "الحركة" فقط ستجلب "البركة" وهو ما لم يحدث، أو أن ملف رئاسة لبنان الذي بات "كالنار" منذ عامين يمكن أن يصبح "رماد"مع الزيارة..حد عارف؟

كان من الأفضل لوزير الخارجية ألا يزور لبنان فقط كي "يستمع" للأطراف السياسية اللبنانية، فلو أبرق سعادة السفير سامح شكري للسفير المصري في لبنان لقال له ما سمعه في اللقاءات المختلفة التي أجراها، ولحرم البعض من الإشارة مجددا إلى عدم قدرة مصر على تحريك ملف الرئاسة في لبنان أو القيام بدور دبلوماسي فعال. زيارة وزير الخارجية سامح شكري إلى لبنان لم تحمل أفكارا جديدة كما قال سفير مصر في لبنان، ولم تكن بداية لشيء ولم تحرك الموقف لأن "ظلام ليل رئاسة لبنان أكثر عتمة وسوادا من شعاع نور الدبلوماسية المصرية الحالية"، فالسياسة في لبنان كالسياسة في مصر لا تحققها الأحلام.
الجريدة الرسمية