رئيس التحرير
عصام كامل

لماذا يكرهون أحمد زويل؟


هب أنك مصري، تخرجت في جامعة مصرية، وشاء القدر وهاجرت، أو هربت، إلى بلاد الغرب، أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فأكملت دراساتك العليا في إحدى جامعاتها، فتفوقتَ على أقرانك؛ وحصلت على أعلى الشهادات، ومُنِحتَ أرفع الجوائز والأوسمة، وأصبحت واحدًا من أشهر العلماء في العالم.. كيف ستكون علاقتك مع بلدك «أم الدنيا»؟


إذا كنتَ من الناقمين على مصر، والحاقدين عليها، والناكرين لجميلها، والكافرين بنظامها، والكارهين لشعبها.. فسوف تتزوج من أجنبية، وتستمتع بحياتك الجديدة في بلاد تحترم العلم والعلماء، ولن تفكر في العودة نهائيًا إلى مصر، أو ربما تأتي إليها زائرًا كل بضعة أعوام؛ للاستمتاع بشمسها، وشواطئها.

أما إذا كنتَ من هؤلاء الذين مازالوا يعترفون بـ«فضل» مصر عليهم، وأردت أن تفيدها وشعبها بما مَنَّ الله عليك به من العلم، والخبرة، مثلما فعل العالم الراحل أحمد زويل، فأنت حرٌ.. لكن عليك أن تتحمل تبعات ذلك؛ لأنك سوف تتعرض لأشرس هجوم من «الفيروسات البشرية».

«زويل» كان من الممكن أن يؤثر السلامة، ويهنأ بالإنجازات التي حققها، والجوائز التي حصل عليها، والحفاوة التي يُقابل بها من زعماء العالم.. إلا أن وطنيته «نقحت» عليه، واعتبر نفسه «مدينًا» لمصر؛ فقرر أن يرد لها جزءًا من هذا الدَّيْن، بعد حصوله على جائزة نوبل، من خلال المدينة العلمية التي تحمل اسمه في 6 أكتوبر.

«المدينة العلمية»، كانت بهدف دفع مصر إلى مقدمة الدول في مجالات البحث العلمى والتكنولوجيا والتصنيع.. وظني أن أية دولة «عاقلة» في العالم كانت ستضع كافة إمكاناتها تحت تصرف «زويل»؛ ليحقق الطفرة العلمية التي وعد بها.

لكن «زويل»، وبمجرد أن أعلن عن مشروعه في عهد الرئيس مبارك؛ حتى تعرض لحملة ضارية من التشكيك، ليس في إنجازاته، ولا في الآلية التي حصل بها على «نوبل» فقط، بل في أهداف المشروع الذي ينفذه في مصر، ومدى جدواه.. والأخطر أنه اُتُهِمَ بالعمالة لصالح أجهزة استخبارات أجنبية، وبالخيانة الوطنية، والتطبيع مع إسرائيل.. إلى آخر هذه السخافات.

قوبل «زويل» بهذه العاصفة الهجومية من «مسؤولين»، أو من مَنْ يُطلق عليهم «مواطنين شرفاء»، أو من «متطوعين» محسوبين على النظام؛ فانهالوا على العالم الجليل إساءة، وإهانة، وتجريحًا؛ في محاولة دؤوبة لـ«تطفيشه»، وإجباره على العودة من حيث أتى.

وعندما خاب مسعاهم لجأوا إلى أساليبهم «الأباليسية»؛ فأوقعوا بينه وبين «مبارك»، بعد أن احتفى به الأخير، ومنحه قلادة النيل.. وأشيع وقتئذٍ أن بعض الأجهزة رفعت تقارير أمنية تحذر الرئيس الأسبق من الشعبية الكاسحة للدكتور زويل، خاصة في أوساط الشباب؛ لدرجة أن بعض القوى طلبت منه الترشح لرئاسة الجمهورية.. فكانت هذه «الوشاية» بداية غضب «مبارك» على «زويل»؛ ولم يهدأ النظام إلا بعد أن رفع الأخير «الراية البيضاء»، وحزم أمتعته، وعاد إلى معمله، وأبحاثه، وطلابه.

جميع دول العالم تفتخر بأبنائها النابهين، النابغين، والحاصلين على أرفع الجوائز العلمية.. بينما تشذ مصر عن هذه القاعدة.. فما أن يحصل أحد مواطنيها على جائزة، أو تكريم، حتى ينهال أعضاء حزب «التدمير عن بعد» للتشكيك فيه، والنيل منه، واتهامه بأنه حصل عليها لأسباب أخرى لا علاقة لها بنبوغه، أو مجهوده، أو كفاءته.. تماما كما فعلوا مع «السادات»، و«نجيب محفوظ»، و«زويل»، و«البرادعي»، وهم مستعدون لتكرار ذلك مع أي نابه، ونابغ في شتى المجالات.

سيقول السفهاء من الناس: ماذا قدم زويل لبلده؟ ولماذا لم يتعاون مع مصر مثلما تعاون مع إسرائيل؟

والإجابة باختصار: وهل طلبت مصر شيئَا من زويل وتأخر عنها؟ وهل مصر- أم الدنيا- لديها إمكانات الكيان الصهيوني؟ ثم- وهذا هو الأهم- هل التسهيلات، والامتيازات التي يقدمها المحتل المغتصب للعلماء والباحثين هي نفس، أو نصف، أو ربع ما تقدمه القاهرة لأبنائها العلماء في الداخل أو الخارج؟

هل أخطأ «زويل» عندما عاد إلى مصر، وفكر في إنشاء مدينته العلمية على أراضيها؟

قطعًا لم يخطئ.. تلك الإجابة النموذجية للباحثين، والعلميين، والحالمين الوطنيين.. لكن البعض يراه مخطئًا؛ لأنه فكر في تنفيذ مشروعه في وقت كان النظام يطارد «العلماء»، ويتبنى «المخبرين».. يُبْعدُ عنه «الشرفاء»، ويُقرِّبُ إليه «الفاسدين»!

أخطأ «زويل» حينما حاول إيقاظ أناس ظلوا مخلصين للجهل، كارهين لنور العلم.. يستنكرون على الناس أحلامهم، ويحاكمونهم على خيالهم.. أخطأ عندما حاول أن ينقلهم من غياهب الشك إلى يقين المعرفة.. فمن تعود على الرائحة الكريهة يأبى أن يستبدلها بأرقى العطور!

نعم.. أخطأ «زويل» حينما أراد أن يُلقي بحجرٍ في المياه الراكدة.. ويحرك الأجساد التي التصقت بكراسيها.. ويُجلي العقول التي علاها الصدأ.. ويُطهر القلوب التي عششت فيها الكراهية والحقد.

في أقل من «فيمتوثانية» مات «زويل».. مات تاركًا للبشرية «علم ينتفع به».. مات تاركًا الشامتين فيه، والمتطاولين عليه.. مات ليثبت للجميع أن نجاحه في أمريكا معناه فشل المنظومة المصرية.. مات لأن الأنظمة تضيق بأمثال «أحمد زويل»!

فاصلة منقوطة

أن تموت في وطنٍ غريبٍ، أهون من أن تعيش غريبًا في وطنِك!

الجريدة الرسمية