رئيس التحرير
عصام كامل

أحكام الشريعة ومقاصدها(1)


الشرعة(بكسر الشين وسكون الراء) والشريعة هي الطريقة التي يتوصل بها إلى النجاة.. والشريعة لغة هي الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء، وشرعا هي ما شرع الله لعباده من الدين، ويتسع معنى الشريعــة عند بعض العلماء لكي يشمل كل ما أنزله الله لعبــاده، من معتقدات وعبادات ومعاملات وأخــلاق وآداب.. إلا أنها تستعمل لدى الغالبية من العلماء بمعنى الأحكام العملية دون الاعتقادات القلبية، حيث يوصف الإسلام بأنه عقيدة وشريعة.. وتعتبر الصلاة، وأحكام الزكاة، والصيام، والحج، والعدل، والإحسان في كل شيء، وبر الوالدين، وإيتاء ذى القربى، والجهاد، والشورى، وتحريم الربا والزنى والخمر والميسر والغيبة والنميمة، وقطع يد السارق، وعدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، والتطهر، وإلقاء السلام ورده، وآداب الأكل والشرب، وخصال الفطرة..إلخ، كل ذلك يعتبر تشريعا..


ثمة فارق بين أحكام الشريعة ومقاصدها.. فالمقاصد هي الغايات والنتائج والفوائد المرجوة من وضع الشريعة جملة، ومن وضع أحكامها تفصيلا (الفكر المقاصدى، للريسونى).. هناك ثلاثة أنواع من المقاصد؛ كلية، وجزئية، وخاصة.. وتمثل المقاصد الكلية أو العامة أهم أنواع المقاصد، ومن خلالها يمكن معرفة كل من النوعين الآخرين.. مثلا، من المقاصد العامة التي أرسل لأجلها جميع الرسل: هداية الخلق إلى الله، وعبادته، وإرشادهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، وتجنيبهم ما يؤدى إلى شقائهم وتعاستهم في الدنيا والآخرة..

ومن المقاصد العامة التي شرعت من أجلها الصلاة: تقوية الصلة بين العبد وربه، وتجديد الإيمان به، والتوبة والإنابة إليه "وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفًا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات" (هود: ١١٤)، وعدم الوقوع في المنكر "وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" (العنكبوت: ٤٥)، فضلا عن أنها تمنح الإنسان صبرا متجددا في مواجهة المحن والشدائد "واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين" ( البقرة: ٤٥)..

ومن المقاصد العامة التي شرع من أجلها العدل: الأمن، والاستقرار، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، والانتصار للمظلوم، وهكذا "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى" (النحل: ٩٠).. يقول الصديق (رضى الله عنه) في خطبته الشهيرة عقب توليه الخلافة: الضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له، والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه.. وكما أن هناك فارقًا بين الشريعة ومقاصدها، هناك أيضًا ما يطلق عليه "القواعد الكلية لتحقيق المقاصد"؛ مثل قاعدة "رفع الحرج"، وقاعدة "جلب المصالح ودرء المفاسد"، وقاعدة "اللجوء إلى رحاب الكليات والأحكام العامة"، وهكذا..

وتمتد قاعدة "رفع الحرج" لتشمل كل أبواب الشريعة، وفروعها، وأحكامها، وآدابها العامة والخاصة، بل تمتد حتى إلى المجال العقائدى.. تأمل قوله تعالى: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" (النحل: ١٠٦)، حيث يجوز دفع الضرر الفادح عن النفس بالخروج الظاهري عن مقتضى الإيمان.. وتعنى قاعدة "جلب المصالح ودرء المفاسد"، كما عبر عنها ابن تيمية (مجموع الفتاوى): "تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها" (وللحديث بقية إن شاء الله).
الجريدة الرسمية