رئيس التحرير
عصام كامل

رمضان وسماجة الادّعاء

18 حجم الخط

عندما تكون خارج مصر وخاصة في رمضان، فمن الطبيعي أن تجد بعض "الكروت الحمراء-المدعومة بصورة عارية-مدونا عليها رقم تليفون صاحبة الصورة" ملقاة على الأرصفة وفي الشوارع العمومية، وحين تستغيث بالله وتقرر أن تنظر أمامك تجد ما لا طاقة به في فتنة الحسان، أو كما يقولها الخطاب السلفي الكاسيات العاريات، فتنظر للأعلى، لتجد في سماء المدينة إعلانات متلفزة عبر شاشات تعرض خطوات التصنيع للخمور المحلية بشكل مبهر...


ترى كل ما سبق، وتمشي في حال سبيلك، لا تنظر ولا تتحرش بعينيك، ولا تغلظ بلسانك، وتتعايش. وتصوم، وكل هذا حولك عادي..!

وأنت عبر كل شهور السنة ترى كل هذا، وتقبله وتتعايش معه دونما أي اعتراض. ولا أدري هل هذا عن نفاق "تقلقع" بداخلك أم عن اعتقاد بحرية الآخر؟

بالطبع، والله أعلم بالنوايا، الإجابة الصحيحة هي الأولى(!)، والمعطيات هي سلوكك المتلون، فعندما تذهب إلى بلدك الأم تنسى ما سبق، وتظهر بوجهك الحقيقي العابث المعتم الكاره لحرية الاعتقاد، بل المنتزع حرية الآخر بحجة أننا في رمضان!
 تصرفك في بلدك الأم، يضرب ادعاءك بالتحضر والعلم الذي حصلت عليه.. ينسف جوهر ادعائك الإيمان، لأنك تستنكر وتغضب وتعاقب، وتصدر أحكاما مجتمعية بعقاب المفطرين والمخالفين..

وفي نفس الوقت تسلك سلوك القطيع في إنك "تأنتخ" وتزوغ من عملك (الذي لا تعمله أصلا) لأنك صائم.. وتنسى أنك كنت في الخارج تعمل طوال النهار بجد.. تلعن في سرك أو في العلن زميلتك (بنت بلدك وملتك) المتبرجة، كما يصفها الخطاب المتأسلم الرقيق.. وتنسى تلك الزميلة التي كنت تجلس بجوار مكتبها (وأشياءها مكشوفة)، وتبتسم لها بود، وتتعاون معها في إتمام العمل، وأنت صائم عادي..

تعيش وتندمج مع قطيع المدروشين.. مثلهم تفعل..في إطلاق لحيتك. تلبس الجلباب. تمسك سجادة الصلاة وبضعة بلحات في سيالتك. والسواك لا يفارق أسنانك. تصلي التراويح وراء الشيخ الفلاني الذي تتنقل خلفه من مسجد لمسجد.. وتجرب وتفعل كل الموضات الإيمانية الجديدة والمبتكرة في رمضان، والتي تنتهي فور انتهاء الشهر الكريم، ويعود الجميع لمسيرته الأولى.

الصدمة هنا ليست في التوصيف بالنفاق المجتمعي المقترن بحالة رمضان، إنما في حالة الغرور الأقرب إلى العنجهية في سماجة الادّعاء بأنك وحدك من تملك حق الدفاع عن فضائل الإيمان، وتتصور بأنك الوحيد القادر على حبس شياطين الإنس في جحورهم. ليس لكونهم الميتافيزيقي الشيطاني، بل لكونهم في نظرك شياطين مفطرين بنهار رمضان..مخلين بقواعد الإيمان التي تفرضها أنت على غيرك..!

ما بين الدعاء والادعاء صارت أيامنا حالة نصب من النطاعة الإيمانية التي نمارسها في كل رمضان بلا خجل في الترويج لكل المتناقضات. بداية من أسعار العمرة إلى أسعار التمر والخشاف، وأجور نجوم الدراما الرمضانية إلى غلق المساجد وفتحها في مواعيد محددة... النطاعة لا حياء لها..!

وأنت كما أنت، سليل سلفيتك الغشيمة التي غرزت فيك نفاق الحياة والآخرة، وفرضت بداخلك رفض من اختلف عنك في المعتقد، وإقصاءه من الحياة إن تمكنت. فضلا عن رغبة "القنزحة" والتشدد بداخلك التي تمارسها على أبناء بلدك من الضعاف أو النساء أو غير المسلمين.

عندما تكون خارج مصر وخاصة في بلاد لا تدين بدينك، بل لا تعرف منه سوى اسمه المقترن بالإرهاب والصحراء والخيام، ومع ذلك عندما يعرفون أنك مسلم وصائم، ينظرون لك نظرة إجلال واحترام. لا، لأنك مسلم. بل، لأنك حُرّ تفعل ما تعتقده وتؤمن به.!
وأخيرا، حديثي الموجه بضمير المخاطب أنت لا أقصد به شخصا محددا، وإن كان القصد به أشخاصا كُثرا. أعرفهم، ورأيتهم، ورصدت عنهم ما رأيته.
أيها الطيبون، لكم فقط، كل عام وأنتم بخير، فلولا وجودكم بيننا لهلكت الأرض. ورمضان كريم...

الجريدة الرسمية