رئيس التحرير
عصام كامل

إدارة الاقتصاد على طريقة «بنهزر يا باشا»!!


مصر تصدر الأرز في يناير وتستورده في شهر مايو.. مصر دولة مصدرة للأرز ومستوردة له.. ليست نكتة؛ فمصر أيضا تواجه ارتفاع الأسعار بالاستيراد، فترتفع الأسعار أكثر لأننا نستورد بالطبع بالدولار.. كيلو الفلفل الألوان وصل إلى ٥١ جنيها.. لماذا؟.. لأنه فلفل مستورد.. ياااه ومن ذلك الذي سمح بفتح اعتماد لاستيراد الفلفل؟ لا أعرف ولا أحد يعرف على وجه الدقة.. هل نحن دولة اقتصاد حر أم دولة اقتصاد موجه؟


أغلب الظن أن المجموعة الاقتصادية لا تعرف على وجه العموم، ليست لدينا بوصلة للتحرك، الاقتصاد يدار بطريقة "ما تزوقيني يا امه أوام يا ماما ده عريسى هياخدنى بالسلامة يا ماما"..

وزير الاستثمار السابق أعلن بالصوت الحياني في أحد اجتماعات مجلس الوزراء قبل التخلص منه، أن مصر بلد طارد للاستثمار، وقال موجها كلامه لرئيس الوزراء: "إحنا بنهزر يا فندم.. بنقول عكس ما بنعمل ودي مش طريقة يدار بيها استثمار".

قال الوزير الشجاع قولته ورحل، غير أن الطريقة البلدي التي يدار بها البلد اقتصاديا لا تزال تحمل نفس ملامح الهزار، والهزار في اللغة هو المزاح، ويقال رجل مهزر أي غشاش وأتصور أن المعنيين ينطبقان علينا، نحن نبالغ في المزاح اقتصاديا ونبالغ في الغش، غش الناس، وغش المستثمرين، والمستثمر لا تجتذبه أدوات تعتمد على الغش؛ لذلك يظل الاستثمار في بلادنا حتى الآن مجرد كلام هزار.

ومن مبالغات الهزار أننا نتصور أنه يمكننا اجتذاب الأموال الأجنبية، ولدينا أجهزة تسجل للناس في غرف نومها، وبعد التسجيل فإننا نذيع ذلك على الفضائيات، وفي ذلك دعوة لرجال المال والأعمال، أن يأتوا إلينا لنسجل لهم ما لذ وطاب، وليس لدينا مانع من القبض عليهم بالصوت والصورة، لأن لدينا موظفين فاسدين لن يمنحوه التراخيص، قبل أن يدفع المعلوم.. عند الدفع سيكون الجهاز الأمني أو الرقابى الجبار، مصحوبا بالكاميرات ينقل للعالم بدقة متناهية وقائع القبض على مستثمر، وهو مكبل بالقيود.

ومن محاسن الصدف أن نرفض الاستماع إلى ما ردده أكثر من مرة، وزير العدل الشجاع المستشار أحمد الزند، من أننا لن نجتذب استثمارا، ولدينا جهاز رقابي يعُد على القادمين أنفاسهم، ويسجل لهم مكالماتهم، ويصور لقاءاتهم بادعاء الحرب على الفساد، وجود مثل هذه الأجهزة يعني اعترافا رسميا من الدولة بأن حجم الفساد يفرض عليها أن تتنصت على من تشاء.. والتنصت في عرف الذين يعيشون في دول محترمة، يختلف معناه ومغزاه عن التنصت في أشباه الدول!!

الأجهزة الرقابية كيف تتابع فكرة أننا دولة مصدرة للأرز ومستوردة له، ربما يكون تفسيرها "أصل أنا عندي شعرة ساعة تروح وساعة تيجي".. ألم تسفر تسجيلاتها عن سبب وجيه يرسم لنا ملامح مصر الاقتصادية، الأجهزة الرقابية هل توصلت لإجابة عن تساؤل:

لماذا يهرب المستثمرون من بلادنا ولماذا لا يأتون إلينا؟

لا تحدثونا عن الشركات العالمية والدول التي تزورنا يوما بعد يوم؛ لأن هذا الملف فضيحة عالمية بكل المقاييس.

هل استطاعت الأجهزة الرقابية أن تعرف كيف توصلنا إلى حلول سحرية لمشكلات الكهرباء؟.. كم مليارا من الدولارات اقترضناها؟ وكيف نسددها؟.. هل تدارست ذات الأجهزة حجم القروض وسماسرة القروض؟.. كيف تحاصر مصر بمشروعات أقل ما توصف به أنها مشروعات هزار.. ماذا يعني وكيف تفسرون إعادة مترو مصر الجديدة، ونحن انتهينا من رفعه منذ شهور وليس سنوات؟

إننا نعيده لأن هناك سمسار قروض أراد ذلك.

مئات المشروعات التي نتحدث عنها ليست إلا كوارث للأجيال القادمة.. حكمنا على أحفادنا أن تحاصرهم الديون.. اخترنا أن نخدع أنفسنا ونخدع الجماهير لنعيش على نفقة أحفاد يعلم الله كيف يسددون ما اقترضناه.. أراهن أي خبير اقتصادي مصري، أو عربي، أو دولي، أن يصف لنا، أو يضع عنوانا عريضا، يصف فيه إدارة الاقتصاد المصري، وأتحدى من يرى عنوانا بديلا عن فكرة الهزار، أو يبتعد عن صرخة وزير الاستثمار "إحنا بنهزر يا باشا".
الجريدة الرسمية