رئيس التحرير
عصام كامل

البيان والموازنة والأرقام المفزعة


بعد طول انتظار؛ أعلن رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل برنامج الحكومة على أعضاء مجلس النواب، الأحد الماضي، للحصول على ثقة البرلمان في حكومته.. وقد تباينت التعليقات والتحليلات في الأوساط البرلمانية والسياسية والاقتصادية والشعبية وغيرها، بين مؤيد ومعارض ومتفائل ومتشائم، إزاء هذا البرنامج الذي طالما استمعنا إليه من قبل الحكومات السابقة مع تغيير وتبديل بعض العبارات والكلمات ومعظم الأرقام.


غير أن ما يلفت النظر في هذا البيان، دعوة رئيس الوزراء "وقوفنا جميعًا صفًا واحدًا للنهوض بمصر، وهو ما يتطلب عملًا شاقًا واتخاذ قرارات صعبة أحيانًا مهما كانت الاعتبارات أو عكس ما يدفع به أصحاب المصالح الضيقة"، على حد تعبيره.

ويوم الخميس الماضي وافق الرئيس عبد الفتاح السيسي على الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2016/ 2017 وتم إرسالها للبرلمان لمناقشتها.

وما يهمنا في بيان الحكومة وموازنة الدولة التي تبلغ 936 مليار جنيه، في حين تصل إيراداتها إلى 627 مليار جنيه، رقمان مهمان ومفزعان في آن معًا، الأول أجور العاملين بالدولة البالغة 228 مليار جنيه، والثاني 210 مليارات جنيه المقدمة للدعم.

وعن الرقم الأول نقول إن النواب قد نجحوا في إفشال خطة الحكومة في إعادة هيكلة الجهاز الإداري بالدولة، وأسقطوا قانون الخدمة المدنية الذي كان من شأنه تحسين الخدمة المقدمة للمواطنين من قِبل أكثر من 6.5 ملايين موظف -ثلاثة أرباعهم لا يعملون- والارتقاء بمستوى الموظف وتجويد أدائه.

ونعتقد أنه من الخطوات المهمة والناجعة التي تعمل على توفير عشرات المليارات من الجنيهات من بند الأجور، فتح باب «المعاش المبكر» للعاملين بالدولة فوق سن الخمسين عامًا وتعويضهم ماليًا عن السنوات المتبقية من مدة خدمتهم، وتمكينهم من إقامة مشروعات صغيرة لمساعدتهم على تكاليف المعيشة، وكذلك فتح باب الإجازات دون راتب والإعارات الخارجية لكل العاملين وعدم إغلاق الباب في وجوه الكثيرين منهم تحت ذريعة هروب الخبرات والكفاءات.

وعن رقم الدعم (210 مليارات جنيه) نشير بداية إلى أن نسب الفقر المُعلنة سواء من الجهاز المركزي للتعبئة العام والإحصاء أو من جهات ومؤسسات مصرية أو أجنبية وتتراوح بين 26% و40% من عدد المصريين، لا تعبر عن الواقع المعاش ولا تدل على الحالة التي يحياها المواطنون ومظاهر الإسراف والبذخ في "الأكل والشرب والموبايل والدش والسيارات والدروس الخارجية وغيرها" في كل مكان وفي كل الأوساط الاجتماعية العُليا والمتوسطة وما دونهما.

لقد طالبنا منذ سنوات باستبدال الدعم العيني الذي يذهب الكثير منه إلى غير المستحقين ويصب الكثير منه أيضًا في أيدٍ قليلة، بالدعم النقدي.. وقد أحسنت وزارة التموين باتخاذ خطوات بهذا الشأن عن طريق البطاقات التموينية الذكية ونقاط الخبز، ما أتاح الفرصة أمام المواطنين لاختيار ما يحتاجونه من سلع ووفر للدولة ملايين الجنيهات.

لقد بلغ عدد بطاقات التموين 18.2 مليون بطاقة تشمل نحو 70 مليون مواطن، ومنهم الكثيرون فوق مستوى الدعم، ومع ذلك يمكن بحسبة بسيطة توزيع مبلغ الدعم عليهم الذي يصل إلى 250 جنيهًا شهريًا للفرد يتصرف فيه كما يشاء ويحلو له، وذلك ترتاح الدولة ويسعد المواطن.

وأخيرًا.. إن قول رئيس الوزراء قولٌ صادق، وإن مصر بالتأكيد في حاجة إلى قرارات قد تكون مؤلمة بعض الشيء في الوقت الراهن وعلى المدى المنظور، ولكنها ستكون مفيدة على المدى المتوسط والمدى البعيد وللأجيال القادمة.
الجريدة الرسمية