رئيس التحرير
عصام كامل

القضاء.. والضمير المُستَتِر!


ﺬُﻛﺮ أﻥ ﺭﺟﻼ‌ً ﺩﻓﻦَ ﻛﻠﺒﺎً ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ؛ ﻓﺸﻜَﻮﻩ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻟﻠﻘﺎﺿﻲ.. ﻓﻠﻤﺎ ﺣﻀﺮ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺳﺄﻟﻪ: أَحقا ﺩﻓﻨﺖ كلبًا ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ يا رجل؟.. فأجابه الرجل: "ﻧﻌﻢ " فقد ﻟﺒّﻴﺖ ﻭﺻﻴﺘﻪ.. فتعجب القاضى قالًا: ﻭﻳﺤﻚ يا رجل.. أﺗﺪﻓﻦ كلبًا ﻧﺠﺴﺎً ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﺛﻢ ﺗﺴﺘﻬﺰئ ﺑﺎﻟﻘﺎﺿﻲ؟ فرد الرجل في لهفة: ﻟﻘﺪ ﺃﻭﺻﻰ ﺍﻟﻜﻠﺐ قبل مماته ﺑﺄﻟﻒ ﺩﻳﻨﺎﺭ ﻟﻠﻘﺎﺿﻲ..! فسكت القاضى في دهشة.. ثم قال في خشوع: ﺭﺣﻢ ﺍﻟﻠﻪ "ﺍﻟﻔﻘﻴﺪ ".. ﻓﺘﻌﺠﺐ ﺍﻟﻨﺎﺱُ ﻣﻦ ﺻﻨﻴﻊ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ!! فنظر إليهم القاضى نظرة الزاهد في العيش.. ثم هَّم قائلًا:: لا تتعجبوا يا سادة.. فقد ﺗأﻣﻠﺖ ﺍﻟﻜﻠﺐ جيدًا.. ﻓﺮﺃﻳﺘﻪ ﻣﻦ "سلالة " ﻛﻠﺐ أهل ﺍﻟﻜﻬﻒ..!


ربما لا تعبر تلك القصة عن مؤهلات القاضى العلمية، ولا إلمامه بالقوانين التي تنظم العيش في المجتمعات الإنسانية، ولا عن قدرته على توظيف تلك القوانين، ولا عن مهاراته في إقناع المتخاصمين بها.. وإنما تشير تلك القصة إلى شيئ آخر..هو "الضمير"الذي عادة ما يكون "مستتر".. لا يتم الافصاح عنه؛ لكنه "يُفهَم" ضمنًا من نتيجة الأحكام.. ويكون دائما ضمير"مُستتر" تقديره" هو "!

وإذا كانت الأحكام ترجع دائما إلى "ضمير" القاضى، الذي هو عبارة عن جملة القناعات التي يكونها من خلال دفاع المتخاصمين، والحجج التي يسوقنها لإثبات الحق.. فإذا كان القاضى مُنزهًا في أحكامه عن الأهواء والمصالح الشخصية؛ فغالبا ما يكون الضمير المستتر تقديره "العدل".. أما إذا كان القاضى بطبيعته منحازا لموقف أو جماعة أو حزب أو مصلحة شخصية.. فغالبا ما يعود ضميره المستتر إلى أي منهما! والسؤال هنا..كيف يكشف الناس عن ضمائرالقضاة..؟ وإذا شك الناس فيها.. فبأى حجة يختصمون بها ضمائرًا مستترة ؟ خاصة وأن القانون يعتبر ضمائر القضاة "مسمومة".. والتشكيك فيها جريمة يعاقب عليها القانون بتهمة " إهانة القضاء "..! والخوض في ذمم القضاة لا يختلف كثيرًا عن الخوض في أعراضهم..!

تلك القضية الشائكة واللغز الأصعب.. الذي عجزت كل الحضارات الإنسانية عن فك طلاسمه.. قضية مفادها الإجابة على سؤال منطقى..أيهما أعلى في السلطة..الحاكم أما القاضى؟ ومن المنوط به اختيار القاضى أو تعيينه ؟ وإذا كان الحاكم هو من يُولى القاضى.. فهل بإمكان القاضى أن يسأل الحاكم إذا أخطأ..؟ وإذا كان بإمكانه..فهل يجوز للحاكم أن يولى القاضى؟ ومن ثم فإن مسألة أختيار القضاة وتعيينهم تظل القضية الأعقد في الفلسفة والقانون..وعليها يتم الراهن في تقدم الشعوب أو في تخلفها!

ورغم جدلية هذا الموضوع.. فإن طرحنا له في هذا التوقيت ؛ يرجع إلى ارتفاع معدلات الفساد، الذي تعانى منه مؤسسسات الدولة.
والتي تجاوزت تكلفته سنويًا نحو 200 مليار جنيه حسب تقرير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء..فضلًا عن حجم المظاهرات والاحتجاجات التي شنها الشعب لأول مرة؛ إعتراضًا على أحكام قضائية.. وحجم القضايا التي تورط فيها مثقفون وسياسيون بتهمة "إهانة القضاء" في سابقة شبه فريدة.. كل هذه الأسباب تدعونا إلى لفت الانتباه إلى ملف "القضاة" وكيف تتشكل ضمائرهم..والطريقة المتبعة لإعدادهم وتأهيلهم.. بالإضافة إلى التساؤل حول مدى استقلالية القضاة.. وهل هناك علاقة بين استقلال القضاء والطريقة التي يتم بها تعيينهم..؟ والحقيقة في تصورى أنه لا يمكن الحديث عن استقلال القضاء،إلا إذا كان اختيار القضاة وترقيتهم غير خاضع بالأساس للسلطة التنفيذية..!

ورغم أن هناك طرق وأساليب عديدة لاختيار القضاة، تختلف من دولة لأخرى.. إلا أن أسوأ هذه الطرق هي التي تتولى فيها السلطة التنفيذية تعيين القضاة..وأفضلها هي الطريقة التي ينتخب فيها الشعب قضاته!

فإذا كان "الانتخاب الحر" يضمن استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية..كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فإن هذه الطريقة تلقى كثيرًا من النقد؛ بدعوى أنه إذا كان الانتخاب يحرر القضاء من"سلطان الحاكم "؛ فإنه يعهد به إلى "سلطة الناخبين " الذين غالبا ما يكونوا غير قادرين على التمييز بين كفاءة القضاة وخبراتهم القانونية وصلاحيتهم الأخلاقية؛ إذ يخشى في هذا النظام أن يحرص القاضي على "إرضاء " ناخبيه ؛ رغبة في التجديد له مرة بعد أخرى؛ وهو ما يخل بنزاهة القضاء واستقلاله. كما أن هذه الطريقة تعني أن اختيار القاضي يكون بحسب آرائه وميوله السياسية؛ وهو ما يخل بشكل كبير من انحيازه إلى القانون ومبادئ العدالة. كما أن انتخاب القاضي يعني توقيت وظيفته؛مما يتسبب في ضعف استقرار القضاء وتباطؤ إجراءاته!

وإذا كان القضاة في مصر يتم تعيينهم بواسطة السلطة التنفيذية بشروط عامة نصت عليها المادة 38 من قانون السلطة القضائية.. فإن هناك دول مثل "بلجيكا " يتولى فيها الجهاز القضائي إعداد قوائم مرشحين للعمل بالقضاء،يختار من بينها رئيس السلطة التنفيذية ما يراه مناسبًا. أما في " فرنسا " فتتولى السلطة التنفيذية تعيين من تتوافر فيهم الشروط التي نص عليها القاون..بشرط اجتياز المرشحون للاختبارات، التي تجريها المدرسة الوطنية للقضاة؛ بما يضمن كفاءة القضاة في تحقيق العدل!

وأما الانتخاب عن طريق الجهاز القضائي ذاته؛ فغالبًا ما يضع الاختيار في سلطة أهل الخبرة ؛فيصبح الاختيار عدالا يقوم على الأهلية والكفاءة.ورغم جدوى هذه الآلية؛ بيد أنها تسمح بسيطرة اتجاهات أو طبقات معينة على وظيفة القضاء. فيكون العمل فيه بـ" الوراثة "ويقتصر على الأصدقاء والأقارب؛ويصير القضاء "حكرا" على طائفة معينة من الشعب؛ تتحكم في مصائر أبناءه، وتجعل مستقبلهم مرهون بـ"ضمير" القاضى!
الجريدة الرسمية